علا موقدي

"ماذا لو كنا نشرب قهوتنا الآن سويةً في مسكة؟" قالتها الحاجة زبيدة عبد الرحيم زريقي (89 عاما) المهجرة من قرية مسكة وهي تذرف الدموع.

وُلدت الحاجة زبيدة في عام 1934 بقرية مسكة جنوب غرب مدينة طولكرم، والتي هجرت منها قسراً مع عائلتها وعائلات القرية في عام 1948 بعدما تلقَّوا إخطارات من العصابات الصهيونية بإخلائها خلال مدة أقصاها 24 ساعة، وإلا سيتم إبادة جميع سكانها بشكل كامل.

تقول زبيدة: "أعرف كل متر من أراضي مسكة، وما زلت أتذكر شكل البيوت ومساحات الأراضي الممتدة على مساحة عشرات الدونمات المزروعة بالبطيخ، والشمام، والفستق، والسمسم، والقمح، والشعير، والتفاح، وغيرها، حيث كانت تربة أراضي مسكة خصبة للزراعة والمياه الوفيرة".

وأضافت: "كان عدد سكان القرية آنذاك يتراوح ما بين 900-1000 نسمة، خرجنا جميعنا من القرية خائفين، خاصة بعد أن بدأت الأخبار تتوارد عن المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في القرى المجاورة، وتوجهنا إلى الطيرة وهي الأقرب إلينا والأكثر أماناً، وقام أهلها بمساعدتنا ونقلنا وأمتعتنا على الخيول حتى وصلنا بأمان".

وذكرت زبيدة: "لم نحمل معنا سوى القليل من الأمتعة والملابس، ووضعت النساء أواني الطعام وممتلكاتهم في حفرة تحت الأرض قام سكان القرية بحفرها وسط المنازل وتم تغطيتها بالعشب وإغلاقها بشكل كامل حتى تبقى محفوظة مكانها إلى حين العودة بعد شهر أو شهرين".

في صباح أحد الأيام من شهر أيار في عام 1948، خرجت زبيدة برفقة والدتها ونساء العائلة وأطفالها حتى وصلوا إلى بلدة الطيرة المجاورة، بينما ذهب الرجال للبحث عن مكان ليبقَوا فيه إلى حين العودة إلى مسكة، واستقر بهم الأمر بعد عدة أيام في منطقة جبلية تسمى "حانوتة" من أراضي الطيرة وجيوس، وصنعوا من أكياس الخياش خياماً ليناموا فيها.

وتتحدث الحاجة زبيدة: "خرجنا من منزل له سقف وفناء واسع مزروع بشجرة توت كبيرة، وبجانبه ديوان يجمع العائلة، إلى خيام لا تقينا حر الصيف ولا برد الشتاء، لنعيش حياة شديدة المرارة في مكان غريب عنا، وتتحول مسكة إلى مكان أشبه بالثكنة العسكرية لأشخاص لا نعرفهم".

وتكمل: بعد ذلك، خرجت العائلات تبحث عن رزقها، ذهبنا إلى الأغوار وبقينا فيها مدة تقارب 18 شهرا، ومنها إلى مدينة قلقيلية التي بقينا فيها حتى تزوجت في قرية مسحة غرب سلفيت، وبعض العائلات خرجت إلى المخيمات بعد أن تراكمت عليها أجرة البيوت التي يسكنون فيها.

وبينت زبيدة أن أجرة المنزل كانت عبارة عن دينار واحد، ولكن لا أحد يمتلكه، وتظل العائلات تبحث عن منزل تقل أجرته عن الدينار.

تستذكر الحاجة زبيدة العادات والتقاليد في مسكة فتقول: كانت علاقات أهالي مسكة ببعضهم وطيدة ومتماسكة جداً في حال حصل مكروه، وإذا توفي أحد الأشخاص يؤجل العرس لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر.

وعن الأفراح قالت: كان مغنو الأفراح يأتون إلينا من يافا. وأتذكر آخر فرح شهدته في مسكة، كان لعائلة أبو طاحونة، وكنا عندما يحل الظلام يحمل الرجال المشاعل وهم يركبون على الخيل لإنارة المكان. وما إن يحل يوم العيد كنت وصديقاتي نشبك أيدينا بأيدي بعض ونذهب إلى منازل الحي، وكانت أعز صديقاتي اسمها خاتمة لكننا تفرقنا ولم نلتقِ بعد الهجرة أبداً.

شقيقها الحاج زكريا عبد الرحيم زريقي المولود في عام 1942 روى: "بعد الهجرة كانت الحياة قاسية وصعبة جداً، وعشنا في جوع وفقر وتشرد بعد أن كنا ننعم بخيرات الأرض وبمنزل يضمنا تحت سقف واحد، أصبحت الخيام سبيلنا الوحيد إلى العيش".

وأضاف: "التحقت بالمدرسة في مدينة قلقيلية وأنا في عمر 9 سنوات، كانت المدرسة عبارة عن خيمة واحدة وصف واحد يضم تقريبا 100 طالب من أعمار مختلفة. وكنت في كل مرة أذهب إلى خيمة الدراسة أتذكر مدرسة مسكة الجميلة التي لم يتبقَّ منها بعد النكبة سوى جدار".

وبيّن زريقي: "لم تسنح لنا الظروف بعد كل هذه السنوات بالعودة إلى مسكة وبقيت غصة في قلب كل لاجئ فينا، لكن زوجتي التي كانت تذهب لزيارة أقربائها في الطيرة قامت بزيارتها في أحد الأيام ووجدت أن كل معالمها تغيرت ولم يتبقَّ سوى جدار المدرسة والجامع. وفي زيارة أخرى لأحد أقربائي جلب من هناك حجرا بقي محتفظاً به إلى أن توفي".

تعتبر مسكة واحدة من بين 774 قرية ومدينة فلسطينية هُجر أهلها قسراً في عام 1948 على يد العصابات الصهيونية، وشُرد ما يربو على 957 ألف فلسطيني إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة.

وتم تدمير 531 منها بالكامل وطمس معالمها الحضارية والتاريخية، وما تبقى تم إخضاعه إلى كيان الاحتلال وقوانينه. كما ارتكبت العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين، تمثل كل واحدة منها جريمة حرب وجريمة بحق الأنسانية، وتصنف في إطار جرائم الإبادة الجماعية.

المصدر: وكالة أنباء وفا