كان لاندلاع الأزمة في سوريا الأثر الكبير والمدمّر على اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات السورية على مختلف الصُعُد الحياتية، إذ واجهوا صنوف الخوف والقتل والتشريد ما اضطرهم للنزوح والهجرة لوجهات متعددة. وأمام هذا الواقع، أعلنت القيادة الفلسطينية انتهاج الحياد الايجابي تجاه الشؤون الداخلية السورية قاطعةً بذلك الطريق على أي مشروع فتنوي هادف لإقحام المخيمات في أتون التجاذبات.

وللإطلاع على واقع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بعد مرور 3 سنوات على الأزمة وعلى دور وأداء القيادة الفلسطينية في هذه الفترة،كان لنا هذا اللقاء مع سعادة سفير دولة فلسطين في سوريا انور عبد الهادي.

 

كيف تقيّمون الاداء السياسي الفلسطيني في ظل الأزمة السورية؟

من المعروف أنه ومنذ بداية الأزمات العربية وما يسمى بـ"الربيع العربي" في كل من تونس ومصر وليبيا اتخذت القيادة الفلسطينية والرئيس محمود عباس قرارًا بالحياد الايجابي، انطلاقًا من مبدأ عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول العربية، والمعروف أن هذا المبدأ اتخذته قيادة الثورة الفلسطينية منذ بدايات الثورة ويعدُّ من أدبيات منظمة التحرير وحركة فتح، إلا أن الثورة الفلسطينية مرّت بمراحل كثيرة أحسنت فيها كما أخطأت في التعاطي بالشؤون الداخلية للدول العربية، فاستفدنا من التجارب السابقة من عمان وبيروت مروراً بالحرب العراقية العام 1990، وما آلت إليه الأمور آنذاك. ومن هنا كان لا بد من الاستفادة من أخطاء الماضي، فكان كما أسلفت قرار القيادة بعدم التدخُّل بالشؤون الداخلية للدول العربية في ظل ما تعرّضت له ابتداء من العام 2011، وفعلاً استطعنا الوقوف على الحياد في كل من تونس ومصر وليبيا، رغم انه في كل من هذه البلدان كان هناك شيء من السهولة في التعاطي الرسمي الفلسطيني مع أزماتهم، والسبب الرئيس يكمن في عدم وجود ثقل فلسطيني على الأراضي التونسية أو المصرية أو الليبية فلا يوجد لاجئين في تلك البلدان كما لا يوجد مخيمات فلسطينية، إلى جانب أن الصراع كان بطبيعته شبه سلمي.

أما مع دخول سوريا في أزمتها فكان لا بد من وقفة دقيقة نظرًا لخصوصية وضع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، حيثُ تتواجد عشرات المخيمات الفلسطينية ويُقدّر عدد اللاجئين الفلسطينيين بأكثر من 600 ألف. ولذلك اتخذت القيادة الفلسطينية قراراً بضرورة الوقوف على الحياد مما يحدث في سوريا، وأصدر سيادة الرئيس محمود عباس تعليماته بعدم التدخل بالأزمة السورية، وأصدرت القيادة تعميماً بذلك منذ بداية الأحداث، واستطعنا تحييد المخيمات الفلسطينية وخاصة مخيم اليرموك عن دائرة الصراع لأكثر من سنة وتسعة أشهر، إلا أن تسارع الأحداث وتداخل مخيم اليرموك مع المحيط المتوتّر ونزوح آلاف السكان من المناطق المجاورة إلى داخل المخيم، ووجود بعض الفلسطينيين المرتبطين مع الاخوان المسلمين والذين يعتبرون أن ما يحدث هو مشروعهم أدى لتوتر الوضع في مخيم اليرموك ودخوله الازمة بعد دخول المسلّحين إليه، وبدأ الاهالي بالخروج من المخيم، وأصبحنا أمام مأساة أخرى، غير أننا استطعنا إلى هذه اللحظة تحييد الفلسطينيين عن الصراع الدائر في سوريا. فالفلسطينيون رغم كل ما حصل ليسوا طرفاً في الصراع، ونحن الآن نحاول حل مشكلة مخيم اليرموك بكل الطرق السلمية هذا بالاتفاق مع الحكومة السورية التي تدرك أن الفلسطينيين ليسوا طرفاً في الصراع وأن غالبية الفلسطينيين على الحياد ولا يريدون التدخل بالشأن السوري، وكانت القيادة الفلسطينية ومازالت على تواصل مع جميع الأطراف من اجل استمرار تحييد الفلسطينيين في سوريا عن أي صراع، ونحن نرى أن الأداء السياسي الفلسطيني بالأزمة السورية كان الأفضل، حيثُ استطاعت القيادة الفلسطينية قراءة طبيعة المرحلة وخطورتها على المنطقة عموماً والفضل في ذلك لسياسة الرئيس عباس بالتعامل مع الازمة السورية من منطلق قومي والحرص على أمن شعبنا في سوريا.

 

كيف تقيّمون واقع اهلنا في المخيمات السورية عمومًا واليرموك على وجه الخصوص؟

يعاني شعبنا الفلسطيني حياة صعبة جداً في أغلب المخيمات الفلسطينية بحكم وجود هذه المخيمات وسط محيط متوتر يتأثّر بازدياد حدة الصراع في سوريا، وإذا كان الوضع مقبولا في بعض المخيمات كمخيم السيدة زينب، ومخيم جرمانا، والرمدان، والعائدون بحمص، ومخيم الرمل في اللاذقية، إلا أن أبناء مخيم اليرموك يواجهون الكارثة الاكبر. فهذا المخيم يعدُّ ثقل الشتات الفلسطيني حيث كان يأوي اكثر من 250 ألف فلسطيني وهو أكبر تجمُّع فلسطيني في سوريا بل وفي الشتات، وأغلب سكان مخيم اليرموك الآن خارج المخيم ولا يوجد داخل المخيم إلا نسبة ضئيلة لا تتجاوز الآلاف هناك. وبكل صدق فإنَّ أبناء وأهالي مخيم اليرموك يواجهون معاناة قاسية، فهم مشردون في مراكز الإيواء في ظل هذه الأجواء الباردة والقارسة منذ سنتين، ويتحمّلون أعباء الايجارات التي اصبحت باهظة الثمن ومعظمهم عاجزٌ عن دفعها، فكل يوم تأتينا مئات الحالات التي تعجز عن دفع إيجار السكن وتعاني الجوع لغلاء المعيشة، وجميعهم لا يطلبون سوى العودة لليرموك ليأويهم سقف منزلهم الذي طال غيابهم عنه، وكل ما يُقدَّم للنازحين من مخيم اليرموك لا يكفيهم شيئًا، وقد استطعنا بجهود كبيرة تقديم الغذاء والدواء والعلاج لأهلنا في مخيم اليرموك بالتعاون مع الحكومة السورية والأونروا إلا ان حجم الكارثة كبير جدًا، فالوضع صعب ويحتاج لوقفة من الجميع، حيث لازالت المجموعات المسلّحة ترفض الخروج من مخيم اليرموك وهي المسؤولة عن كل هذه المعاناة التي يتعرّض لها شعبنا.

 

ما هي الحلول والخطط التي تمّ وضعها لمواجهة هذه التحديات؟

لا شكّ أن أبرز التحديات التي يواجهها الأهالي تكمن بوجودهم وأطفالهم خارج مخيماتهم نازحين مشتتين بلا مأوى، وهي معاناة على معاناتهم الأساسية تحت وطأة وضع اقتصادي صعب في ظل الغلاء المعيشي الحاصل، وأظن أنه لا يوجد تحدٍّ أصعب من وجودك خارج منزلك الذي بقيت طوال عمرك تبنيه ليأوي أسرتك، ولا يوجد أصعب من أسرة تبحث عن سقف يحمي أعراضها. لذا فنحن كمنظمة التحرير الفلسطينية، نحاول، وبتعليمات من الرئيس عباس، تخفيف معاناة أبناء شعبنا، لكن حجم الأزمة أكبر مما كنا نتوقع وكارثة اليرموك تحديداً اكبر منا جميعاً، ونحن نسعى قدر الامكان للتخفيف من المعاناة، غير أن الحل الجذري يكمن بانسحاب المسلَّحين من مخيم اليرموك ليعود أهله إليه وليعودوا إلى منازلهم ويعيشوا بسلام، وأيضاً في ظل مصداقية منظمة التحرير والرئيس عباس أصبحت المنظمة المرجعية الاولى للشعب الفلسطيني في سوريا.

 

إذًا إلى أين تتجه المخيمات الفلسطينية برأيك؟

سؤال صعب ومؤثّر.. المخيمات الفلسطينية التي كانت شعلة الثورة الفلسطينية والتي قدّمت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى لإعلاء كلمة فلسطين وتكريس التمثيل الفلسطيني، والتي خاضت معارك العزة والبطولة في كل مفاصل الثورة الفلسطينية ضد العدو الاسرائيلي هي اليوم جريحة تعاني ما تعانيه.. حزينة على غياب ساكنيها وغياب العنوان الوطني الفلسطيني. لا نعلم إلى اين المسير.. ولكن يُحزِنك تشرُّد أهالي المخيمات وخاصة اليرموك إلى دول الجوار.. يحزنك رحيل الآلاف ودخولهم غمار البحار كي يصلوا أوروبا ومنهم من يستشهد في الطريق ومنهم من يبتلعه البحر ومنهم من يترك أطفاله. برأيي هناك شيء خطير بخصوص المخيمات الفلسطينية. فهذه الهجرة المتسارعة إلى أوروبا من المخيمات الفلسطينية في سوريا لها هدف واحد هو اخلاء المخيمات من اللاجئين الفلسطينيين لما تمثّله هذه المخيمات من رمز للنضال وعنوان سياسي للفلسطينيين. واليوم المخيمات الفلسطينية إلى المجهول، وبرأيي فمن يقف وراء ذلك هو الكيان الصهيوني لضرب حق العودة وإلغاء المخيمات وللأسف بالتعاون مع أطراف فلسطينية لا تؤمن بالوطن، ورغم كل ذلك نعمل على اعادة أهلنا إلى مخيم اليرموك، إذ رغم المأساة أعدنا لغاية الآن أكثر من 600 عائلة فلسطينية، وأدخلنا أكثر من ستين ألف سلة غذائية وكافة أنواع الأدوية ولقاحات الأطفال وعالجنا أكثر من سبعة آلاف مريض، كما نتابع دراسة الطلبة داخل المخيم وخارجه، اذ أرسلنا الكتب والقرطاسية وفتحنا المدارس، ونؤمّن للطلبة تقديم امتحاناتهم خارج المخيم خاصة امتحانات الشهادتين الاعدادية والثانوية وطلاب الجامعات، وبالطبع كل هذا يتم بمتابعة يومية من الرئيس ونحن مصممون على اخلاء المخيم من السلاح والمسلّحين وإعادة أهلنا إليه وخاصة المتواجدين ضيوف عند أهلنا في لبنان.

وفي الختام ونحن على أبواب الذكرى الخمسين لانطلاقة الثورة الفلسطينية لا بد من العمل الدؤوب لعودة المخيمات الفلسطينية في سوريا وخاصة مخيم اليرموك إلى سابق عهدها شعلةً للثورة الفلسطينية لاستكمال النضال لتحقيق المشروع الوطني وتحقيق حلم العودة إلى وطننا فلسطين.

خاص مجلة "القدس"/  العدد السنوي