لم يعد خافياً على كل ذي بصيرة، العداء المستحكم من قبل جماعة الاخوان المسلمين للدولة الوطنية في العالم العربي، وهو ما أثبتته وقائع الأحداث ومجريات التاريخ، وهي التي وضعت مشروعها "الإسلاموي الكبير" في مواجهة الدولة الوطنية، ولم تدخر جهداً أو تترك سانحة أو فرصة إلا واستغلتها أيما استغلال للإطاحة بالأنظمة كمقدمة لتدمير الدولة وإعادة بنائها وفق منهجها وعقيدتها حتى لو تحالفت في سبيل ذلك مع الشيطان نفسه، وهو ما حدث واقعاً فيما بات يعرف بـ "الربيع العربي"، حين رهنت نفسها وإمكانياتها وقدراتها لتكون أداة في يد القوى الاستعمارية لتنفيذ مؤامرة تدمير الدولة الوطنية وتقسيمها وتفتيتها، لولا عناية الله والجيش العربي المصري الذي نال شرف تحطيم تلك المؤامرة. 
لم يكن فرع جماعة الاخوان في فلسطين (حركة حماس) استثناء عن هذه العقيدة العدائية، إذ ومنذ نشأتها المشبوهة والملتبسة وضعت حركة حماس نصب عينيها هدفاً رئيسياً واستراتيجياً لتمكين مشروعها الموازي، ركيزته الأساسية تقويض منظمة التحرير وضرب وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني على أن تشكل بديلاً للمنظمة لاحقاً. وفي سبيل ذلك قدمت أوراق اعتمادها وحصلت على مباركة الاحتلال الاسرائيلي "حسب الاعترافات الضمنية لأحد قادتها والمسجل صوتاً وصورة"، والذي تقاطع معها في أهدافها وسعيها لتفتيت الشعب الفلسطيني، وهو ما تحقق واقعاً بعد انقلاب حماس الدموي في غزة عام 2007، وما تلاه من سياسات وإجراءات تعمق حالة الفصل والانفصال بين شقي الوطن.
عملت حماس مع حاضنتها الجماعة الأم على توفير بنية تحتية لمؤسسات متعددة الوظائف والمهام تخدم تحقيق هذا الهدف، وعملت كل ما تستطيع ميدانياً لتثبت بأنها جسم موازٍ للمنظمة؛ ولأن الجماعة لا تؤمن بمفهوم الشراكة ولا بمفهوم الوطنية رفضت الدخول في المنظمة ودأبت على وضع شروط تعجيزية تحول دون انضمامها لها وفي الوقت نفسه كرست نفسها لتثبيت الجسم الموازي بداية من الانتفاضة الأولى حين رفضت الانضمام للقيادة الوطنية الموحدة التي تشكلت من فصائل منظمة التحرير وانفردت ببرنامج خاص بها يتعارض مع جدول الفعاليات النضالية الميدانية المُقر من تلك القيادة.
لم تتوقف حركة حماس عن محاولاتها المتكررة للالتفاف على منظمة التحرير، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، دعوة خالد مشعل من الدوحة عام 2009، لتشكيل مرجعية قيادية موحدة عليا للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، أو حين وجهت حماس الدعوات لعقد "مؤتمر وطني فلسطيني" في غزة عام 2018، وحينها التقى مسؤولون في الحركة مع قيادات من الفصائل الفلسطينية في غزة وبيروت لإقناعهم بتشكيل مؤتمر وطني قيادي يقرر في الشؤون الوطنية بما فيها مستقبل السلطة والمنظمة، وكان الهدف من وراء ذلك إيجاد جسم بديل للمجلس الوطني الفلسطيني الذي كان قد عقد لتوه الدورة 23 في رام الله.
وفي هذا السياق ظهرت أجسام ومؤسسات تحت عناوين مختلفة ومتعددة تستهدف فلسطينيي الخارج سواء في مخيمات الشتات أو في دول أوروبا، مثل المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، ومؤتمر فلسطينيي أوروبا، وما يتفرع عنهما من اتحادات ولجان تخصصية، والقاسم المشترك بين هذه المؤسسات والأجسام باختلاف مسمياتها وتخصصاتها هو تكريس فكرة وهمية في الوعي الجمعي الفلسطيني والرأي العام الدولي بأن المنظمة لم تعد الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني وأن هناك منافسين لها على هذا التمثيل. ومن أجل تعميق هذه الفكرة الوهمية تستخدم تلك الأجسام المشبوهة عناوين وطنية عريضة كمظلة لمجمل نشاطاتها كما هو الحال في مؤتمر مالمو الذي ينعقد تحت عنوان "العودة"، وتسويق هذه الأنشطة عبر خطاب مخادع تضليلي يستهدف جذب أوسع مشاركة من الفلسطينيين على اختلاف مشاربهم وشرائحهم، وعلى شاكلة هذا الخداع والتضليل ما ورد في بيان لما يسمى برئيس المؤتمر أمين أبو راشد: "يؤكد رئيس المؤتمر أنّ منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولا يوجد أيّ مساعٍ لإلغائها أو تعطيل دورها أو تهميشها، بل إصلاحها لتكون أهلاً لتمثيل الكل الفلسطيني"، وهي عبارة تحمل التأكيد والنفي في آن واحد، فالحديث عن إصلاح المنظمة هو الخطاب نفسه الذي تسوقه حماس ومن خلفها جماعة الإخوان لذر الرماد في العيون والتعمية على موقفها الحقيقي في رفض المشاركة أو دخول المنظمة.
إن الحديث عن مؤتمر مالمو بوصفه يساهم في تشتيت جهود الشعب الفلسطيني ويعمق حالة الانقسام ويوسعها باتجاه فلسطيني الخارج، وهو بمثابة التفاف على منظمة التحرير، وهو كذلك، إلا أن من يعتقد أن القائمين على المؤتمر ومن يقف خلفهم لا يدركون ذلك فهو مخطئ، إنهم يدركون ذلك جيدا ويقصدونه ويسعون إليه، وهو جزء من ثوابتهم التي لن تتغير إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.
إن اختيار التوقيت أيضاً هو أمر مقصود ومخطط له، ويهدف إلى التشويش على الجهود السياسية والدبلوماسية والشعبية الواسعة التي يقودها السيد الرئيس لإحياء الذكرى الـ75 للنكبة، والتي تتزامن لأول مرة مع فعاليات للأمم المتحدة تتضمن خطاباً سيلقيه السيد الرئيس يخاطب فيه المجتمع الدولي مذكراً بمعاناة شعبنا ومطالباً وشاهراً سيف الحق بإنهاء آخر احتلال على وجه الأرض. ولا غرابة في ذلك إذ سبق وفي الوقت الذي كان يقاتل السيد الرئيس في أروقة الأمم المتحدة ليمنع إدراج حماس على قائمة المنظمات الإرهابية، كان أعضاء التشريعي المنحل والمحسوبون على حركة حماس في قطاع غزة يخاطبون برلمانات العالم لنزع الشرعية عنه، فهل نجحوا في تلك لينجحوا في هذه؟
بالرغم من الفشل المتكرر لمساعي حماس بالالتفاف على منظمة التحرير ومحاولة ضرب وحدانية تمثيلها للشعب الفلسطيني، إلا أن هذه المساعي لن تتوقف، وبالتالي فإن رئاسة المنظمة والمؤسسات التابعة لها وما تقوم به من جهد لكشف زيف وخداع وتضليل القائمين على مؤتمر مالمو ومن يقف خلفهم هو أمر في السياق الصحيح وإن جاء متأخراً، وهو جهد وعمل لا بد وأن يأخذ طابع الاستمرارية والديمومة لمواجهة وإفشال مخططات المؤسسات الأخرى كافة التي تعمل تحت مظلة حماس وجماعتها الأم وتحمل الأهداف والغايات نفسها التي تستهدف المشروع الوطني الفلسطيني.