فتح ميديا- لبنان/ كانت نكبة الشعب الفلسطيني جراء هزيمة الأمة العربية أمام المشروع الصهيوني الاستعماري الاقتلاعي والاحلالي الذي أسفر عن وقائعَ مؤلمة، وجرائمَ ومجازرَ أدَّت إلى انهيار وتفكُّكِ الواقع الاجتماعي الفلسطيني. وكلمة نكبة هي ترجمة فعلية لما أصابَ الشعب الفلسطيني من تدمير في البنية الاجتماعية، وضياع الهوية الوطنية، وتشريد الشعب الفلسطيني، وهذا كله تمَّ بسبب الضربات العسكرية الصهيونية ذات القدرات العالية، وانعدام القدرات العربية على المواجهة.

وبسبب النكبة ونجاح المشروع الصهيوني تشرَّدَ الشعب الفلسطيني، وحوَّلوه إلى شعب مُلاحَقٍ ومشبوهٍ وجائعٍ بلا هوية وطنية، ثم ليصبحوا لاجئين، يحاولون بناءَ مجتمع لهم في الهواء، وتحت الخيام، ثم في الأحزمة الفقيرة للمدن، ولم يعد أمام الشعب الفلسطيني إلّا العمل الجاد من أجل إعادة بناء النسيج الداخلي للمجتمع الفلسطيني، وترميم ما تهدَّم وتفتَّتَ على طريق استعادة الهُوية الوطنية.

إنَّ ما أصاب الشعب الفلسطيني هو بسبب غياب العدالة الدولية، وعجزِ المجتمع الدولي عن استعادة الحقوق التي أقرَّتها الشرعية الدولية. وهكذا وبعد مرور ثمانية وستين عاماً على نكبة شعبنا بكل ما فيها من مجازر ومآسٍ، ومذابح، وحصارات، وحروب فإن الشعب الفلسطيني لم يحصل على أي حق من حقوقه الوطنية، وخاصة إزالة الاحتلال من المناطق المحتلّة في العام 1967 من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين استناداً إلى القرار 194.

إنَّ واقع النكبة الذي مزَّق وشرَّد الشعب الفلسطيني كانت له مفاعيله وتأثيراته، وأبعاده في تجذير المفاهيم الوطنية، والثورية في الأوساط الفلسطينية الثقافية والسياسية والاجتماعية باتجاه صناعة واقع جديد يحمل الطموحات والآمال الوطنية الفلسطينية، ويعيد الثقة إلى جيل النكبة من أجل مواصلة كفاحه الوطني لإنقاذ الشعب الفلسطيني من تداعيات أخطر جريمة شهدتها البشرية في هذا العصر.

في هذه الظروف القاهرة أنضجت القيادةُ الطليعية المؤسِّسة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" بناءَ هذه الحركة الرائدة التي قادت النضال الفلسطيني، من بداية تأسيس الخلايا الأولى العام 1957، مروراً بإعلان انطلاقة الكفاح المسلّح العام 1965، ثم الانطلاقة الثانية بعد هزيمة العام 1967، معزِّزةً هذه الانطلاقة بالانتصار التاريخي الذي حقّقته الثورة الفلسطينية مدعومة من الجيش الأردني مما أسفرَ عن هزيمة جيش الاحتلال والعدوان في معركة الكرامة.

مسيرة الكفاح المسلَّح وحرب التحرير الشعبية أخذت بُعدَها الحقيقي من خلال اختيار الشهيد الرمز ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأيضاً مشاركة كافة الفصائل المسلَّحة في المجلس الوطني العام 1969.

إنَّ حركة "فتح" التي شكَّلت العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، وما زالت هي التي تتحمَّل أعباء المشروع الوطني الفلسطيني، تؤكّد لشعبنا الفلسطيني حرصها على الثوابت الوطنية الفلسطينية، وتمسُّكها بالأهداف والمبادئ التي قامت عليها هذه الثوابت. وعلى هذا الطريق فإنها تؤكّد ما يلي:

أولاً: إنَّ القضية الفلسطينية هي قضية عادلة بكل المقاييس والمعايير، وشعبها لم يبخَل بالتضحيات من البداية وحتى النهاية، ومهما كان الظلم الدولي لشعبنا، ومهما كان الباطل الإسرائيلي فلن يتمكّن أحدٌ من تصفية قضية الشعب الفلسطيني.

ثانياً: إنَّ العدوان الإسرائيلي الاستعماري على أرضنا وعلى شعبنا، وعلى مقدساتنا وبشكل متواصل، إنما هو اعتداء على الشرعية الدولية، وعلى كافة المعاهدات القانونية والإنسانية، وخاصة معاهدات جنيف الأربع، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤولياته.

ثالثاً: إنَّ الترجمة الحقيقية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وإنَّ المصداقية في هذه النوايا تبدأ من القناعة المطلَقة بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات، فهي البيت المعنوي، والإطار السياسي الجامع الذي واكبَ النضال الفلسطيني منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية وحتى الآن.

رابعاً: إنَّ من صنعَ الانقسام، ومن يصرُّ عليه في الساحة الفلسطينية إنما يقدِّم طوقَ النجاة للعدو الإسرائيلي، ويسهم في إغراق الساحة الفلسطينية بالأزمات الداخلية، والتناقضات السياسية، والنكبات الاجتماعية، وتدمير كافة المحاولات الرامية إلى توحيد الصف الفلسطيني من أجل أن يستمر الصراع الفلسطيني الفلسطيني لصالح المشروع الإسرائيلي الرافض لحل الدولتين.

خامساً: إن الموقف المبدئي والمنطلِق من المصالح الفلسطينية الوطنية العليا عبَّر عنه سيادة الرئيس أبو مازن عندما قال: لا دولة في الضفة بدون قطاع غزة، ولا دولة في قطاع غزة بعيداً عن الضفة الغربية، والقدس الشرقية هي العاصمة لدولتنا الفلسطينية.

سادساً: نؤكد أنّ المشروع الصهيوني منذ انسحاب الجيش والمستوطنين من قطاع غزة بتعليمات من شارون يسعى إلى إقامة دويلة في قطاع غزة مقابل تهدئة، وهدنة طويلة تتجاوز الخمس عشرة سنة تتمكّن خلالها (إسرائيل بمشروعها الصهيوني) أن تقيم دولة الاستيطان على أراضي الضفة الغربية، أي تدمير أي حلم فلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية فهل الوساطات الإقليمية والدولية حول وضع غزة المستقبلي تصبُّ في إطار حسم حل الدولتين وتقزيمه بإقامة دويلة في قطاع غزة، ومجموعة كانتونات مؤقتة في الضفة الغربية؟!.

سابعاً: إن المقاومة الشعبية الفلسطينية والتي يعبرّ عنها شعبنا بأشكال مختلفة وخاصة هبّة الأقصى التي استشهد فيها ما يزيد على مئتين وثلاثين شهيداً، والمسيرات الشعبية في العديد من القرى، والاشتباكات مع جنود الاحتلال، والاعتصامات هي بمجملها تتطلّب مزيداً من الاحتضان والتفعيل الشعبي حتى تمتلك القدرة على التصعيد والاستمرار.

 إنَّ هذه المقاومة الشعبية المتفاعلة والمتصاعدة هي محطُّ أنظارنا، وهي تجسِّد طموحاتنا الوطنية والميدانية لأنها تشكّل الجناحَ الآخر الموازي لنضالنا الدبلوماسي والسياسي.

ثامناً: إننا في حركة "فتح" ومن منطلق الحرص على العلاقات الوطنية، وعلى الوحدة الوطنية، وعلى سلامة الوضع الفلسطيني الداخلي فإنّنا نحذِّر كلَّ مَن يمس كرامة وهيبة الرئيس أبو مازن الوطنية والشخصية في إطار التحريض والتشهير والتشكيك، فهو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس السلطة الوطنية، لكنه قبل كل شيء هو قائد حركة "فتح" المؤسِّسة للكفاح الوطني الفلسطيني، ونحن نثق بقائدنا لأنه يقود مدرسة ياسر عرفات، والمتمسك بثوابتها، ونقدّر الجهود التي يبذلها في أصعب الظروف، نحترمه لأنه واضح في مواقفه السياسية والوطنية، وهو الذي قال (لا) لكل مَن حاول فرض الشروط والوصاية علينا. ورفض الانصياعَ رغم الحصار المالي من كل الأطراف العربية وغير العربية.

وإنَّ ما يحدث في قطاع غزة من إساءات واتهامات باطلة للرئيس محمود عباس شيء مخجل أن تقوم به بعض الفصائل ويسيء بذلك لكرامة كل ابناء وشهداء، وأسرى حركة فتح، وعلى من يريد الشراكة في الواقع الفلسطيني عليه أن يُقلعَ عن مثل هذه الممارسات الاستفزازية والتي لا تخدم إلّا أعداء شعبنا الفلسطيني.

تاسعاً: في ذكرى النكبة الثامنة والستين نؤكد ضرورة التصرف بمسؤولية عالية، وبأمانة راقية، وبرؤية واحدة من أجل الحفاظ على أمن المخيمات، وإحباط كافة المحاولات الرامية إلى تفجير الوضع الأمني، وإشعال نار الفتنة فيها، وتدمير المكان الذي ضمَّنا منذ بداية النكبة، والذي فيه نعمل سوياً من أجل حماية وحدتنا الوطنية، والحفاظ على حيوية قضية اللاجئين، ومنع التوطين.

عاشراً: نؤكد حرصنا على أن تَخلُصَ الحوارات الدائرة بين الفصائل من جهة والأونروا من جهة ثانية إلى نتائج ايجابية تلبي حاجات اللاجئ الفلسطيني، وتبلسم أمراضه، وتحمي حياته الصحية والاجتماعية، ولا ننسى أن نحيي وقفة كافة الفصائل والقوى الشعبية، والمشاركة الجماهيرية في التحركات التي حصلت على مدار أربعة شهور، كما نحيي الجهود والرعاية المركزية القيادية لهذا التحرك وخاصة الدور الذي لعبه سيادة الرئيس أبو مازن من موقع الحرص على شعبنا في مخيمات لبنان وتلبية مطالبهم.

حادي عشر: ندعو كافة الجهات المعنية بالأزمة السورية السعي إلى الحثيث لتكريس الحل السياسي، وفرض وقف الحرب، وإعطاء الفرصة للمدنيين من أجل بلسمة الجراح، وتنفس الحرية، والشعور بالكرامة الوطنية.

كما ندعو إلى توفير الاحتياجات الأساسية لأهلنا في مخيم اليرموك، وفي باقي المخيمات، وخارج الأراضي السورية حتى يلتقطوا أنفاسهم ويبلسموا جراحهم.

في هذه الذكرى نتوجه بالتحية إلى أبناء شعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات، في الضفة وغزة والقدس، وفي كل فلسطين التاريخية.

كل التحية إلى أهالي الشهداء وقوافل الشهداء الأبطال.

التحية إلى أسرانا البواسل الصامدين في المعتقلات والزنازين.

وإنها لثورة حتى النصر

قيادة حركة "فتح" لبنان

13/5/2016