في نهاية القرن الثامن عشر نشر الفيلسوف الألماني ايمانويل "كانط" كتابه "السَّلام الدائم" والذي اعتبر نقطة الانطلاق لمفهوم الشرعية الدولية. "كانط" تحدث عن مجتمع سلمي للأمم، بمعنى أن تتعايش الشعوب والدول بسلام مع احتفاظها بالفوارق والاختلافات فيما بينها.

البشرية لم تلتفت لما قاله هذا الفيلسوف إلَّا بعد أن اكتوت بنار الحرب العالمية الأولى (1914-1917) وأُسست عصبة الأمم. كان الهدف من العصبة تشكيل حالة ردع قانوني وأخلاقي، لمنع نشوب حرب مجددًا والحفاظ على السلم العالمي.

عصبة الأمم وبدلاً من تشكل شرعية دولية تمنع الحروب، تحوَّلت إلى أداة في يد الدول الرأسمالية القوية للسيطرة على العالم وتوزيع مناطق النفوذ، أي ساحة صراع وغطاء للتحضير لحرب أخرى.

انهارت الشرعية الدولية المسيطر عليها من الأقوياء بنشوب الحرب العالمية الثانية.

بعد الحرب أسس المنتصرون هيئة الأمم المتحدة، باعتبارها شرعية دولية جديدة تمنع الحرب وتحافظ على السلم العالمي. ميثاق الأمم المتحدة الذي من أهم مبادئه المساواة بين الدول وحق تقرير المصير للشعوب، إضافة للقانون الدولي والأعراف الدولية هي أساس هذه الشرعية.

من دون شك إنَّه في زمن الحرب الباردة، والتوازن الحاصل بين المعسكرين الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية، والمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي كان هناك شكل من احترام الشرعية الدولية. نتيجة لذلك استطاعت شعوب كثيرة نيل استقلالها.

اليوم وبعد أن هيمنت الولايات المتحدة على النظام الدولي، وأصبحت القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية الأولى، تآكل مفهوم الشرعية الدولية، وعادت الأمم المتحدة لتكرر تجربة عصبة الأمم، وتتحول إلى ساحة لصراع الكبار وتفقد أي دور جدي لها كشرعية دولية تحترم أساس ميثاقها والقانون الدولي.

يعيش العالم مرحلة بمنتهى الخطورة، خصوصا مع إدارة أميركية برئاسة ترامب، لا تقيم أي وزن للقانون الدولي، وتدخل العالم في صراعات يمكن أن تخرج عن السيطرة. فالشرعية الدولية تتعرض اليوم في عصر إدارة ترامب بسياسات هذه الإدارة، إلى محاولات جعلها مجرد ملهاة للضعفاء، وغطاء لغطرسة الأقوياء ومحاولاتهم لأحكام سيطرتهم على العالم.