لم تهدأ حركةُ السفير الفلسطيني في بيروت أشرف دبور منذ عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتْها حركة «حماس» في 7 أكتوبر 2023، وأَعْقَبَها العدوانُ الإسرائيلي على غزة، إذ يتابع تفاصيلَ القضية الفلسطينية من كل جوانبها السياسية وحتى التفاصيل اليومية التي لها علاقة بالفلسطيني أينما وُجد في الداخل والخارج خصوصاً في لبنان لِما يتمتع به من خصوصية.
يَجمع بين الديبلوماسية والسياسة، وأبواب السفارة مفتوحة دائماً لمتابعة كل قضايا أبناء شعبه ومعاناتهم الكبيرة والتي تلقى الاهتمامَ الكبير.

سفارة دولة فلسطين في بيروت، أشبه بحاضنةٍ لكل أطياف الشعب الفلسطيني، ولا تخلو دقيقة واحدة من متابعاتٍ ومراجعاتٍ واتصالاتٍ، وهي تحولت إلى «البيت الفلسطيني» الجامع للكلّ الفلسطيني في لبنان، بعدما جسّدت الحرصَ الشديدَ على الاهتمام بأدق تفاصيل الشأن الفلسطيني العام وأدت واجبها بجدارةٍ في العمل الدؤوب للحفاظ، خلال أكثر من «قطوع» سياسي وأمني على مدى الأعوام الماضية، على أمن المخيمات واستقرارها وعلى توطيد التعاون والتنسيق مع كل القوى الفلسطينية، ناهيك عن تكريس أفضل العلاقة مع اللبنانيين بمختلف اتجاهاتهم.
في حوار مفتوح أجرتْه معه «الراي» في مقرّ السفارة، أكد دبور أن فلسطين هي مفتاح السلام والاستقرار في المنطقة «وإذا أراد المجتمع الدولي للمنطقة أن تنعم بالسلام فإن حلّ القضية الفلسطينية حلاً عادلاً سيجلب الأمن للجميع، أما إذا بقيَ التجاهلُ لحقوق الشعب الفلسطيني في أن يكون كبقية شعوب العالم حراً سيداً مستقلاً فإن المنطقة ستبقى في لهيب دائم»، معتبراً «أن ما يجري الآن في غزة هو حرب ممنهجة وغير مسبوقة من حيث استباحة حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني».
واعتبر «أن صمود الشعب الفلسطيني على أرضه أَفْشَلَ المشروع الإسرائيلي بالتهجير وأكد على عزيمة وصبر منقطع النظير بأن هذا الشعب لا يمكن لأحد كسر إرادته أو تجاوز قضيته»، مؤكدا «أن على المجتمع الدولي الوقوف أمام الحقيقة والعدل وأن يعترف بالدولة الفلسطينية المستقلة بوصْفها الممرّ الوحيد والأساسي للحل في المنطقة ولإجبار اسرائيل، المتنكرة وعلى لسان قادتها لحق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، على الانصياع لقانون الحق والعدل ولرأي الشعوب الحرة والذي عبّرت عنه خلال خروجها بتظاهرات مليونية في أرجاء المعمورة، ونحن هنا نرحب بكل مواقف الدول المؤيدة للاعتراف بدولة فلسطين والتي بتنا نسمعها علانية».
ولفت دبور إلى «أن القرار الظالم بتعليق بعض الدول للمساعدات المالية لوكالة «الاونروا» يؤثر سلباً على الوضع الانساني للاجئين الفلسطينيين»، مستبعداً ارتباطه بالاتهامات الموجهة للاونروا وموظفيها ومعتبراً أن القرار يأتي في سياق «مشروع قديم جديد بإلغاء الوكالة مقدمةً لإنهاء الحق الطبيعي بالعودة عبر إنهاء عملها، وقد سبق وطُرح هذا الأمر في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وأوقف التمويل بل تم طرح إسقاط صفة اللجوء عمّن وُلدوا بعد النكبة، وجرت محاولاتٌ لتعريف اللاجئ بالذي وُلد في فلسطين وأُخرج منها أثناء احتلال فلسطين من الكيان الصهيوني».
كما أشار السفير الفلسطيني إلى «أن محاولات إيجاد منظمات دولية بديلة لمتابعة وضع اللاجئين الفلسطينيين تهدف لإنهاء قضية اللجوء وإيجاد حلول بديلة عن العودة باندماج اللاجئين في البلدان المضيفة وتوطينهم في أماكن وجودهم وهذا أحد البنود التي طُرحت في ما يُسمى بصفقة القرن».


تعيين سلام
كيف تنظرون إلى تعيين اللبناني القاضي نواف سلام رئيساً لمحكمة العدل الدولية التي تَنظر في دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل على خلفية اتهامها بارتكاب حرب إبادة ضد الفلسطينيين ربطاً بحرب غزة؟.
- إن تعيين القاضي سلام رئيساً للمحكمة يمثل إضافةً نوعية ولا سيما في هذه المرحلة، وهي المرة الأولى تقبل المحكمة الدولية شكوى ضد الكيان الاسرائيلي بانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني بارتكاب إبادة جماعية ضده، ونثمّن للمحكمة انحيازَها للعدل، ولو جاء متأخّراً، حيث يعاني شعبنا من ظلمٍ ما بعده ظلم منذ عشرات الأعوام. كما نقدّر ونحيي جنوب افريقيا على تصدُّرها المنارة الاخلاقية في الدفاع عن الحق والعدل والمساواة.
كما ان تعيين سلام يعزز دور «العدل الدولية» بشكل كبير، إذ أنه العربي الثاني الذي يُعيَّن بهذا المنصب الرفيع. وإن اختيار قاضٍ عربي لرئاسة المحكمة إضافة مميزة في تحقيق العدالة. ولا بد لنا من الاشارة والتنويه بدور القضاة الآخَرين الذين دافعوا عن الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة التي فقدها منذ عام 1948 بحياة اللجوء والمعاناة التي لا توصف. ولعلّ صوت العدالة الدولية يكون رادعاً للانتهاكات المستمرة بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، والممرّ الأول لمحاسبة الجناة والمسؤولين عن المجازر والإبادة بحق أطفال ونساء وشيوخ الشعب الفلسطيني وحتى حرمانهم من المياه والغذاء والرعاية الصحية وحرية الحركة، وهي جميعها أعمال ضد الإنسانية، وأيضاً حرمان الشعب الفلسطيني من حقّه بالاستقلال والحرية وتقرير مصيره، كما حال الشعوب الأخرى حول العالم.

يدور الحديث عن إطار عام أو صفقة لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة وفيها من الأخذ والرد. في رأيكم هل يمكن أن تؤسس لانتهاء الحرب في ضوء المواقف الإسرائيلية التصعيدية؟.
- يجب ألا يغفل عن العقل، المشروعُ الصهيوني في المنطقة العربية وما انطوى عليه من اعتداءات إسرائيلية متواصلة في كل مراحل الصراع واشتدّت في هذه المرحلة، حيث يسعى الإسرائيليون لوضع الشعب الفلسطيني في ظروف صعبة للغاية. وإن التدمير لقطاع غزة بشكل كامل واستباحة دماء الفلسطينيين، مثال على ذلك، حيث يعتقد أرباب هذا المشروع أن الفلسطيني سيستسلم للظلم الواقع عليه. ومن هنا يأتي رد الفعل الفلسطيني على العدوان بالصمود والصبر في وجهه، ما حدا ببعض الدول لطرح مبادرات وأفكار كمدخل ِحلٍّ للوضع الراهن. كما أن التحرك الشعبي الدولي والجهود الديبلوماسية الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس والقيادات الفلسطينية، والتواصل المستمر مع المجتمع الدولي لعب دوراً مهماً حيث إن العديد من الدول في العالم تبدّلت مواقفها عندما توضّحت الصورة والواقع أمامها.
والحل الأمثل والوحيد لإنهاء الوضع الحالي وصولاً إلى حل جذري للقضية هو بالاعتراف الدولي الفوري بدولة فلسطينية، ما يعطي الفلسطينيين الأمل بأن المجتمع الدولي جديّ في حلِّ قضيتهم بوصفها قضية حقوق سياسية وليس إنسانية فقط.


الحرب: رابح وخاسر
بعد دخول العدوان الإسرائيلي على غزة شهره الخامس، هل يُمكن الحديث عن رابح وخاسر في هذه الحرب؟
- هذا العدوان الإسرائيلي اليوم على غزة لا يمكن وصفه إلا بالهمجي وغير المسبوق في التاريخ ضد الشعب الفلسطيني، حيث تمارس قوات الاحتلال الإسرائيلية عمليات القتل والتدمير وبشكل ممنهج وجَماعي ضد الشعب الفلسطيني. ومع ذلك، فإن الشعب الذي يتحمل كل هذا العدوان بالتضحية والدم والصمود والشجاعة وبالتصميم على إفشال المشروع الإسرائيلي، يُظْهِر عزيمةً لا تلين ولا يمكن لأحد كسرها ولا كسر إرادته أو تجاوز قضيته. وبعد مرور خمسة أشهر، حتماً النصر حليف الصبر والثبات.

ماذا عن مداولات «اليوم التالي» للحرب على غزة والقول إن السلطة الفلسطينية عاجزة عن القيام بدورها؟
- ان ما تقوم به إسرائيل من إجراءات على الأرض يهدف لإضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية ومحاصرتها سواء من خلال الاقتحامات التي تقوم بها في الضفة الغربية، أو حجز الأموال الفلسطينية. وما تصريحات المسؤولين الاسرائيليين حول المرجعيّة والشرعية الفلسطينية وأنها لا تريد أي فلسطيني خير دليل على ذلك، وهذا ما تحدّث عنه نتنياهو صراحة حين أقر بأنه خلال 16 عاماً أجهض قيام الدولة الفلسطينية وأكد انه لن تكون هناك دولة.
والحديث عما بعد انتهاء العدوان على غزة، ينبغي أن يكون فقط على قاعدة قيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل الأراضي التي احتُلت العام 1967 أي الضفة الغربية وغزة والقدس.
والسعي الإسرائيلي الدفين لإيجاد إدارات بديلة في غزة لتقوم بمهام إدارية أو سيطرة أمنية كما يحاول أن يفرض الاسرائيليون، فهذا وهمٌّ ولن تستطيع الحكومة الاسرائيلية أن تفرض على شعبنا ذلك. والحل الوحيد لاستقرار المنطقة هو الحل العادل للقضية الفلسطينية وإعطاء الشعب الفلسطيني كامل حقوقه.

 

 كيف تقيّمون موقف الدول العربية مما يجري في غزة؟
- فوجئتْ إسرائيل بمواقف الدول العربية التي أعربت منذ بداية العدوان عن موقف رافض للمشروع الصهيوني بالتهجير من قطاع غزة أو من الضفة الغربية، وهو ما تجلى في انعقاد القمة العربية الإسلامية التي انبثقت عنها لجنة مشتركة من بعض الدول العربية وكان لها الدور المهم في فضح ممارسات إسرائيل وعدوانها وتثبيت موقف عربي موحّد من العدوان. ونقدّر للسعودية موقفها الواضح بأنه لن يكون هناك أي تواصل ديبلوماسي سعودي – إسرائيلي، ما لم يكن هناك اعتراف بدولة فلسطين وبحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
كما نقدّر ونشكر الأشقاء العرب وجهودهم بدعم إخوانهم في قطاع غزة، بإرسال المساعدات والطواقم الطبية ومتابعة الوضع الإنساني في القطاع.


تعليق مساعدات «الأونروا»
كيف تتعاملون مع تداعيات قرار بعض الدول تعليق تمويلها لوكالة «الأونروا» على أوضاع فلسطيني لبنان؟
- إن قرار تعليق التمويل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) خطير جداً، حيث إن الوكالة بالأساس تواجه عجزاً دائماً في موازنتها المالية السنوية وفي توفير الخدمات الأساسية للفلسطينيين في لبنان وغيرها من دول الشتات. وهذا القرار يؤثر سلباً على المساعدات المقدّمة من الأونروا حيثما يوجد لاجئون سواء في لبنان أو غزة والضفة الغربية وسورية والأردن.
والمستغرب في تعليق التمويل للوكالة هو سرعة استجابة بعض الدول لهذا القرار، بناء على ادعاءات من الحكومة الإسرائيلية ضد الأونروا، وقبل ظهور نتائج التحقيق وتبيان الحقائق. وهذا يشير بوضوح إلى وجود نية مسبقة لإنهاء دور الأونروا كشاهِد حيّ على نكبة الشعب الفلسطيني. وسبق لهذا المسار أن طُرح في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وما سمي «بصفقة القرن» بحيث قطعت الولايات المتحدة المساعدات عن الأونروا وحاولت إعادة تعريف صفة اللاجئ الفلسطيني وسعت جاهدةً لإقرار عدم التمديد لولاية الأونروا تماهياً مع رؤية المشروع الصهيوني الذي يهدف إلى استبدال الأونروا بمؤسسات أخرى تكون مهمتها دمج اللاجئين الفلسطينيين في المجتمعات التي يعيشون فيها، أي توطينهم تحت مسميات مختلفة، وهذا يشكل خطراً حقيقياً على القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينييين وحق العودة، وهنا مطلوب دور كبير من المجتمع الدولي بالتصدي لهذا المشروع بقوة وضمان استمرارية الأونروا في تقديم الخدمات الإنسانية واحتياجات اللاجئين ورعايتهم.
ونطالب المجتمع الدولي بتطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ولا سيما القرار 194 الذي ينص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم والتعويض عليهم، وقرار التقسيم 181 الذي اعتمدتْه الأمم المتحدة. علماً أن إسرائيل أُلزمت بتطبيق القرارين 181و 194 شرطاً لقبول عضويتها في الأمم المتحدة وهو ما لم تلتزم به واستمرّت بتنفيذ مشروعها الصهيوني بـ «إسرائيل الكبرى» وعدم استعدادها للالتزام بحل الدولتين وحق اللاجئين في العودة ما يجعل من الاعتراف بها في الأمم المتحدة متعارضاً مع القرارات والقوانين الدولية.

في الفترة الأخيرة كنت محور الاتصالات والاجتماعات ديبلوماسياً وسياسياً أو فلسطينياً، ما الهدف منها؟
- هناك أحاديث يتم تداولها حول المخيمات الفلسطينية في لبنان ما بعد انتهاء العدوان الصهيوني على قطاع غزة وهي دسائس لا تمت للحقيقة بشيء، ونحن نؤكد لشعبنا ولبنان المضيف لشعبنا أننا ومن خلال العمل واللقاءات والتواصل مع جميع الأطراف الفلسطينية الموجودة في لبنان، على وحدة الموقف الفلسطيني الذي يُجمِع على أن المخيمات لن تكون إلا حاضنة للأمن والأمان ولن يستطيع أحد استدراج المخيمات لاستخدامها في أجندات معينة، وهذا ما أكدته جميع الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية في اللقاءات الأخيرة، وخصوصاً لجهة على أن أمن واستقرار المخيمات الفلسطينية ثابت من الثوابت الوطنية الفلسطينية وواجب وطني ومسؤولية مشتركة من كافة النسيج الوطني الفلسطيني الجامع، وتفرضه على الجميع أواصرُ الأُخوة الفلسطينية التي تجمعنا ومشترَكات المعاناة ووحدة الهدف والمصير المشترك، والتأكيد على رفض ومواجهة أي مشاريع تستهدف المخيمات والوحدة الوطنية الفلسطينية.
ووعدٌ من الجميع لشعبنا الفلسطيني أن المخيمات لن تكون إلا عامل أمن واستقرار كما عَهَدها شعبُنا خلال الأعوام الماضية، وقد مررنا في فترات سابقة بظروف وأوضاع صعبة واستطعنا بالتعاون المسؤول مع بعضنا البعض تجاوزها، وهذا بتأكيدٍ وإشادة من الأشقاء اللبنانيين سواء في الحكومة أو الأجهزة الأمنية أو الأحزاب السياسية، الذين أبدوا تقديرهم وارتياحهم للأداء الفلسطيني بشكل عام. ونؤكد أن حكمة ووعي أبناء شعبنا وقيادته في لبنان ستفشل أي مشاريع تآمرية.


ماذا عن اللقاءات بينكم وبين حركة «حماس» وعلى ماذا اتفقتم؟
- ليس بيننا وبين الإخوة في «حماس» أي حواجز، والاتصالات واللقاءات مستمرة بيننا. وقد حصلت اجتماعات في الآونة الأخيرة وكلها تصب في خانة مصلحة القضية الفلسطينية والمخيمات، و«حماس» تجد منا كل تجاوب ونحن كذلك، وهذا ديدن الاخوة والعمل الفلسطيني المسؤول وهدفه الأساسي تحقيق إنجازات للشعب الفلسطيني سواء في فلسطين أو لبنان أو مختلف أماكن تواجده، فالشعب الفلسطيني كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.