خاص مجلة القدس/ حـوار: ولاء رشيد

أدَّت المرأة الفلسطينية دورًا حيويًا عبر مسيرة الثورة الفلسطينية، وكانت خير حاملة للواء التحرُّر وشكَّلت عنصرًا فاعلاً في دعم مسيرة الكفاح الوطني، فحافظت على الثوابت والهوية الوطنية ونقلتها عبر الأجيال وأدَّت دورها على الأصعدة كافة من اجتماعية، إنسانية، سياسية وعسكرية، حيثُ تكلَّل هذا الدور بسقوط العديد من الجريحات والأسيرات والشهيدات، لتُثبِت أنها قادرة على أداء جميع الأدوار من اجل الوطن. أمَّا في لبنان فقد اتصف دور المرأة الفلسطينية بتمايز وخصوصية إذ كانت خير مثال للمناضلة الـمُضحّية رغم قسوة ظروف اللجوء التي تحمَّلتها، وتمكَّنت من تحقيق العديد من الانجازات. ولأن خصوصية هذه الظروف لا يعرفها سوى من عايشها كان لنا هذا اللقاء مع عضو المجلس الثوري لحركة "فتح"، عضو الامانة العامة للإتحاد العام للمرأة الفلسطينية ومسؤولة فرع لبنان آمنة سليمان للاطلاع على جزء من هذه المسيرة الكفاحية في لبنان.

 

تميَّزت المرأة الفلسطينية في أكثر من مجال، ولكن ما هي خصوصية الدور الذي أدَّته في معركة التحرُّر والكفاح الوطني على مدى 49 عامًا؟

تُصادِف اليوم الذكرى الـ49 لانطلاقة الثورة الفلسطينية وحركة "فتح"، وقد تزامنت الانطلاقة هذا العام مع إطلاق سراح الأسرى الأبطال من معتقلات الاحتلال الصهيوني، وكانت فرحة عارمة للأسرى ولعائلاتهم ولشعبنا الفلسطيني لأن الأسرى هم الذين شكَّلوا على مدار الثورة الفلسطينية الركن الأساسي للنضال الوطني بصمودهم وثباتهم وإصرارهم على إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وبإيمانهم بأن السجن ليس قدرًا والاحتلال إلى زوال، فكانت معنوياتهم عالية وصوتهم يصدح في كل أروقة المؤسَّسات العربية والدولية. ونحن نُهنِّئ أنفسنا ونُهنِّئ جميع أسرانا الذين قضوا زهرة شبابهم في المعتقلات على طريق الاستقلال وبناء الدولة، ولهم منا كل المحبة والاحترام والتقدير على صمودهم وثباتهم.

وبدورها أدَّت المرأة الفلسطينية دورًا نضاليًا منذ بداية القرن الماضي وحتى الآن، فكان لها دور فاعل في مجال مقاومة الانتداب البريطاني وعلى صعيد العمل الاجتماعي لجهة الاهتمام بأُسر الشهداء والمعتقلين. وفي ظل ما كانت ولا تزال تتعرَّض له فلسطين من هجمة استيطانية احتلالية شرسة، انطلقت المرأة الفلسطينية للدفاع عن وطنها في جميع المجالات، فقاومت الاحتلال، وعمِلت في المجال العسكري والسياسي والاجتماعي وشكَّل هذا النهج أسلوب حياة لها لحماية أرضها وعائلتها وشعبها. كذلك كان لها دور أساسي إبان انطلاقة الثورة وتشكيل منظَّمة التحرير الفلسطينية الممثِّل الشرعي والوحيد لشعبنا، ومن هذا المنطلق حافظت المرأة الفلسطينية على الهوية الفلسطينية وعلى النسيج الاجتماعي للعائلة الفلسطينية، وكانت عبر الممارسة شريكة نضال ومعاناة، خاصةً أنها أدركت أن تحررُّها لا يأتي إلا عبر تحرُّر مجتمعها، ولا تزال حتى الآن تعمل في هذا الإطار الوطني باختلاف أشكاله وميادينه.

 

برأيك هل نالَت المرأة الفلسطينية التقدير والمكانة اللتين تستحقهما؟

لا شك أن المرأة الفلسطينية عمِلت وما زالت تعمل في كل المجالات، واعتقد أن نضالها ومشاركتها الأساسية هما اللذان ساعداها في الوصول إلى المكانة المهمة التي وصلت إليها. وعبر النضال الوطني تبَّوأت المرأة الفلسطينية مناصب متعدِّدة فكانت هناك 5 وزيرات في الحكومة الفلسطينية، و17 امرأة في المجلس التشريعي الفلسطيني، إضافةً إلى عدد كبير من السفيرات والقاضيات والنساء الأعضاء في المجالس المحلية على صعيد السلطة الوطنية الفلسطينية وفي المجلس الوطني الفلسطيني، وكل هذه المناصب والانجازات كانت بفعل مشاركتها الفعَّالة ونضالها الذي لم يتوقف منذُ النكبة وحتى الآن.

ولكن المرأة الفلسطينية ما زالت تعاني تحديات مزمنة بسبب تعرُّضها للتهميش والحرمان من فرص توظيف قدراتها في العمل السياسي والاقتصادي الـمُنتِج، وما زالت بعض القوانين تنطوي على تمييز ضد المرأة وهناك بعض البُنى الثقافية والنُظُم الاجتماعية التي تنظر للتمييز بين الجنسين، باعتباره من طبيعة الأشياء أو الفطرة وحتى أن العديد من النساء يحملن هذا الفهم الخاطئ على الرغم من التطورات الإيجابية على صعيد الحكم والمواقف الاجتماعية، ورغم أن ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكَّد المساواة بين الرجل والمرأة. وقد كان هذا الواقع السياسي والاجتماعي الصعب حافزًا للمرأة الفلسطينية لتعزيز وتطوير دورها ومشاركتها في النضال لأنها إنسان كامل الأهلية وباستطاعتها أن تكون مؤثِّرة وقادرة على تشكيل أدوات ضغط للدفاع عن حقوقها والتحكم بشروط حياتها الخاصة، ولكن تغيير واقع المرأة هذا يحتاج إلى تضافر جهود الحركات النسائية كافة وقوى التغيير. وطبعًا المرأة الفلسطينية مقتنعة تمامًا أن النهوض بوضعها لن يرتقيَ لمستوى الطموح بمجرد إجراءات جزئية أو تجميلية على الرغم من أهميتها لأن هذه الإجراءات تبقى قابلة للإلغاء في أي وقت وعرضة للمساومة بين القوى السياسية ما لم تأتِ نتيجة اقتناع كامل وإجماع بين مختلف شرائح المجتمع، لأنه بات من الواضح أنه كلما زاد الاهتمام بالمرأة زال الاختلاف في المجتمع وتقلَّصت النظرة الضيقة لدورها ومساهمتها لتحقيق التوازن الاجتماعي المطلوب.

 

لا يخفى الدور الفاعل الذي يؤديه الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في لبنان، فهل لك أن تطلعينا على بعض مما حقَّقه خلال مسيرته وحتى الآن؟

المرأة الفلسطينية حاولَت بكل الإمكانيات المتاحة لها أن تعمل على خدمة شعبها في جميع المجالات، وعلى صعيد الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية تُرِجمت هذه المفاهيم عمليًا من خلال إقامة مشاريع إنتاجية واقتصادية وبرامج تعمل على تمكين المرأة وتعزيز قدراتها عبر التدريب والتأهيل في مجال مناهضة العنف ضد المرأة، والمشاركة السياسية في صنع القرار. وقد قمنا كاتحاد عام للمرأة الفلسطينية وبالتعاون والدعم من جمعية المساعدات الشعبية النرويجية بتدريب كافة الأخوات اللواتي يعملن في اللجان الشعبية حتى يتمكَّنَّ من العمل بكل فعالية ونشاط وجدية. والآن هناك حوالي 30 امرأة ممثَّلة في اللجان الشعبية كافة على صعيد لبنان، يشاركن في تقديم العديد من الخدمات الاجتماعية والإغاثية، وفي الوقت نفسه لدينا مؤسسات تهتم بالأطفال والشباب والمسنين أيضاً، أي أننا نعمل بناءً على الواقع الذي نعيشه على صعيد المخيمات مع كافة شرائح المجتمع. وبالطبع فالمرأة الفلسطينية شاركت عبر الاتحاد العام وعبر كافة المؤسسات الأهلية بالعمل على جميع المحاور بالنسبة لحق العمل للمرأة وللفلسطيني عمومًا في لبنان، وبالتثقيف الحقوقي للنساء الفلسطينيات حتى يتمكَّنَّ من التأثير والتحكم بشروط حياتهن، وهذا العمل أيضًا يشمل النازحات الفلسطينيات من سوريا. فمنذُ بداية الأزمة في سوريا ونتيجة للتهجير القسري، عمِل الاتحاد العام بشكل كبير على استنفار كافة مقراته ومراكزه والعاملات فيه من أجل خدمة النازحين عموماً والمرأة والطفل تحديدًا. فقمنا بتوزيع المواد الإغاثية والمساعدات المادية ودفع الإيجارات وتغطية كلفة العلاج لعدد كبير منهم، وهنا أود أن أوجِّه الشكر للأخوات في الاتحاد العام للمرأة في فلسطين بكافة فروعه، اللواتي عملن على تنظيم حملة وطنية لجمع التبرعات من أجل إغاثة أهلنا النازحين من سوريا الذين فقدوا كل ما يملكون، إضافة لمستقبلهم بسبب استمرار الحرب البشعة التي امتدت لـ3 سنوات ولا أحد يعرف متى ستنتهي، وما سيكون مصير النازحين بعدها.  وقد جمع الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في الوطن مبلغًا أُرسِل جزء منه لأهلنا في سوريا وغزة، أمّا المبلغ الذي خُصِّص لنا في لبنان، فقد عمَدنا بالتعاون مع الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية وكل فصائل منظمة التحرير على تخصيصه للعلاج، إذ إننا قمنا بعلاج مئات العائلات، وما زلنا مستمرين بهذا العمل ونوجِّه الشكر لكل من ساهم في جمع هذه التبرعات،كما نشكر سيادة الرئيس أبو مازن الذي لم يألُ جهدًا في توفير المساعدات الإغاثية لهذه العائلات وتحديد مبلغ شهري لتخفيف نتائج وتداعيات هذا التهجير القسري.

كذلك قُمنا ضمن مشروع مدعوم من اليونيسيف باستقبال 1116 طفلاً نازحاً في رياض الأطفال في كافة المخيمات والتجمُّعات الفلسطينية وتأمين كافة مستلزمات الروضة لهم، وعملنا على توظيف 22 مربية في دروس التقوية من النازحات الفلسطينيات من سوريا، و6 منسِّقين لدروس التقوية ورياض الأطفال. كما أقمنا نشاطات ترفيهية ورحلات وعروضاً مسرحية وموسيقية لتخفيف التوتر والضغط النفسي لدى الأطفال بالدرجة الأولى، وهذا يندرج ضمن شق الدعم النفسي الاجتماعي الذي عملنا على متابعته، إذ كان هناك عدد لا بأس به ممن أُحيلوا على الأطباء النفسيين نظرًا لآثار الصدمة وحالات الاكتئاب التي أُصيبوا بها عدا عن محاولات الانتحار. وعلاوة على ذلك عمدنا لإقامة دورات حلقات تفريغ جماعية لأمهات الأطفال، وعملنا على التركيز على مفهوم التواصل، ومعيقاته وأبعاد التواصل الفعَّال، وكل هذه الدورات كانت وسيلة وأداة لتخفيف الاكتئاب والتوتر والضغط النفسي عن الأمهات.

ورغم كل الخدمات التي نُقدِّمها ما زلنا نقع في بعض المشاكل والتحديات بسبب كثافة النازحين والحاجة الماسة لكافة المقومات التي تُمكِّنهم من العيش بكرامة لأن ما يجري بالفعل هو فوق طاقتنا جميعًا وفوق طاقة منظَّمة التحرير والسُلطة الفلسطينية والأنروا.

من جهة أخرى، فهناك العديد من المراكز الخاصة بالاتحاد والتي نعمل من خلالها على خدمة الشعب الفلسطيني، ومنها رياض الأطفال "مركز الاستماع" الخاص بالأطفال والنساء المعنَّفات، ومركز التربية المختصة لرصد كافة أشكال القصور عند الأطفال من النواحي العاطفية والنفسية والتربوية. كذلك لدينا فريق رياضي نسائي لكرة القدم، وعدد من النوادي التي تهتم بالشباب والفتوة، وتضع برامج تربوية وثقافية واجتماعية وترفيهية خاصة لهم، إلى جانب عدد من المكتبات التي نقوم فيها بنشاطات متنوِّعة.  من ناحية ثانية، فلدينا 4 مشاريع للقروض الصغيرة التي تُساهم إلى حد كبير في إيجاد فرص عمل للفلسطينيين في لبنان ونحن حاليًا في شراكة مع اليونيسيف وجمعية العون الطبي البريطاني ومنظَّمة العمل الدولية وصندوق الاستثمار الفلسطيني لإيجاد فرص عمل ومشاريع مُدرّة للدخل تُساعد العائلة في الوقاية من العوز والفقر. وقد استحدثنا قرضًا خاصًا للشباب الخريجين في المعاهد المهنية وتحديدًا "كلية سبلين"، بحيثُ نقدم لهم في أي وقت قروضًا لينشئوا أعمالاً خاصةً بهم ويباشروا بالاعتماد على أنفسهم، وقد ساهمت هذه القروض لحد كبير في التخفيف من حدة الفقر والبطالة داخل المخيمات، وهناك قصص نجاحات كثيرة تشهد على هذا، وحاليًا نسعى ضمن خطتنا القادمة لزيادة قيمة القروض.

 

انطلاقًا من تجربتك الشخصية كامرأة فلسطينية مناضلة يشهد الجميع بدورها الفاعل وعطائها وصمودها خلال أصعب المواقف، هل لك أن تصفي لنا هذه التجربة؟ وهل واجهتك أية عقبات معينة لكونك امرأة؟

أنا كأي امرأة فلسطينية جزء من هذا الواقع الصعب عانيت من تداعيات اللجوء والاقتلاع، وعشت قساوة الظروف التي واجهت فلسطينيات الشتات في كافة أماكن تواجدهن، فقد واجهنا كل التحديات رغم جميع المعارك والحروب التي فُرِضت علينا تحت شعارات مختلفة وعناوين متعددة، وذلك لقناعتنا وإيماننا الراسخ بعدالة قضيتنا وحقنا بالعودة لوطننا، ولأن وضع المرأة الفلسطينية لا يمكن عزله عن الوضع السياسي والاجتماعي الذي يواجُهُه الشعب الفلسطيني في لبنان، فنحن جزء من هذا الواقع ونعمل جنبًا إلى جنب من أجل حقوقنا المشروعة في العودة وتقرير المصير.  وقد عمِلتُ مع فريق كبير من المناضلات على صعيد لبنان وكافة المخيمات، واعتز بنضال هؤلاء الأخوات اللواتي سقط منهن شهيدات وجريحات وأسيرات ومعوقات ولهنَّ منا كل المحبة والاحترام والتقدير، وأنوِّه إلى أننا في الاتحاد نعمل دون أي تمييز بيننا إذ إن أحدًا لا يستطيع أن يُميِّز الهوية التنظيمية لعضوات الهيئة الادارية لأننا وحدة متماسكة، عمِلنا في السرَّاء والضرَّاء وتحت كل الظروف الصعبة والمعقَّدة منذُ الحرب الأهلية اللبنانية وحتى الآن.  وما يميز اتحادنا وفرعنا في لبنان انه لم يتوقَّف عن العمل منذ العام 1972 وحتى الآن حيث قام بتطوير مشاريعه ونشاطاته وتنوع برامجه استجابة لمتطلبات كافة شرائح المجتمع الفلسطيني في المخيمات والتجمعات.

 

هل من رسالة ترغبين بتوجيهها للفلسطينيين عمومًا وللفلسطينيات على وجه الخصوص؟

أولاً، بكل الفخر والاعتزاز اود ان اوجه تحية حب ونضال لروح رمز فلسطين الشهيد الرئيس ياس عرفات الذي دعم المرأة وساندها وشجعها وفتح لها آفاقا واسعة من اجل المشاركة السياسية وفي كافة المجالات. ثانيا، رسالتي للمرأة الفلسطينية هي أن تأخذ دورها في كافة المحطات النضالية، وأن تعزِّز من قدراتها، وأن تقتنع بأنها إنسانة كاملة الأهلية وبإمكانها العمل في كافة المجالات، لأن المرأة الفلسطينية عندما تقوم بدورها كعنصر أساسي في المجتمع لا بد أنها ستكون مؤثِّرة وفاعلة.

ونحن في ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية نوجِّه رسالة وصرخة إلى العالم وتحديدًا لقوى التحرُّر والتغيير وإلى كل مؤسسات الشرعية الدولية بأن تقف وتدعم النضال الوطني الفلسطيني من أجل انجاز حقوقه وإقامة دولته المستقلة، فنحن الشعب الوحيد في هذا الكون الذي ما زال يقع تحت الاحتلال ويعاني اللجوء والتشرُّد.  لأن الكيان الصهيوني بطبيعته العدوانية  ما زال يرفض أيًّا من الحلول التي تؤسِّس لدولة فلسطينية مستقلة على أراضي الـ67 وعاصمتها القدس، وما زال يضرب بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية ويضع العراقيل باستمرار لايجاد وقائع جديدة لكسب الوقت. إلا أن الشعب الفلسطيني رغم كل الممارسات الإسرائيلية من جدار الفصل العنصري، توسيع الاستيطان، سرقة الأراضي، إبقاء الأسرى خلف القضبان وقتل كل أوجه الحياة، سيبقى مصرًّا على انتزاع حقوقه، ومؤمنًا بالعودة وتقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.