لعب الشعر في الثقافة العربية مكوناً أساسياً من مكوناتها قديماً وحديثاً، فقد سميَّ الشعر ديوان العرب، ونحن اليوم نحيي الذكرى الحادية عشر لرحيل الشاعر محمود درويش جسداً في التاسع من أوغست/ آب الجاري، نجد أن محمود درويش عصي على النسيان وعلى الاختزال، فقد مثل الثقافة الفلسطينية والعربية على مدى خمسة عقود من عمره، وتمكن من التماهي مع الشعر في كافة أبعاده الغنائية والموسيقية والإنسانية والوطنية، فقد وجد محمود درويش نفسه في القصيدة وفي الشعر فكانت سلاحه في البحث عن الذات وعن فلسطين الأرض والوطن والشعب والقضية بكل أبعادها التراجيدية وترك بصمته الثقافية على الثقافة الفلسطينية والعربية والدولية، التي يشهد له بها إنتاجه الشعري والنثري على السواء، واضعاً قضيته في إطارها الإنساني الواسع، مستخدماً تقنيات الشعر بأبعادها المختلفة، فلم يكن أسير الجمود والأيديولوجيا وسطوتهما بل متحرراً من القوالب الجامدة إلى آفاق إنسانية رحبة نقلته إلى العالمية!
لقد كانت باكورة علاقتي الشخصية بدرويش وشعره في العام 1969م عندما كنت في بداية المرحلة الثانوية مع قصيدته (سرحان فدائي وليس بقاتل) تلك القصيدة التي عرفت من خلالها محمود درويش ،شأني شأن جيلي في تلك المرحلة .. ولا أنسى لقائي به وحضور أمسياته في ربيع العام 1973م، عندما زار المغرب الشقيق (حيث كنت طالباً جامعياً حينذاك) بدعوة من اتحاد كتاب المغرب العريق، والذي كان يرأسه أيامها صديقه الناقد والروائي الكبير الأستاذ الدكتور محمد برادة، وقد نظم له عشر أمسيات شعرية غطت المدن الرئيسية للمغرب الشقيق مبتدئاً بمدينة الرباط وفي مسرح محمد الخامس الذي رغم اتّساعه لم يتسع للحضور يومها، مما اضطر المنظمون إلى تركيب شاشات خارجية لتلبية رغبة الحضور الكثيف.. وهذا المشهد تكرر في كافة أمسياته.. فقد وضع لنفسه المكانة اللائقة له ولفلسطين في الثقافة العربية وبين الجمهور العربي الذي عشق فلسطين ودرويش وشعره الذي يحمل رسالتها الوطنية والقومية والإنسانية بكافة أبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية، وقد استطاع درويش أن ينقل شعره إلى المستويات الأوسع عالمياً وفنياً لتترجم أعماله إلى عشرات اللغات العالمية، حتى الصينية، عندما نسقت معه رحمه الله لترجمة (ديوان أعراس) إلى الصينية على نفقة وزارة الإعلام السعودية سنة 1985م، حيث كان يومها يقيم في باريس فاتصلت عليه وأبلغته برغبة باحث صيني في الأدب العربي بترجمة (ديوان أعراس) وأن وزارة الإعلام السعودية تتكفل بطباعته باللغة الصينية، فأعطى موافقته ومباركته..
محمود درويش أيقونة الشعر والثقافة الفلسطينية بلا منازع، حتى بعد مرور احد عشر عاما على رحيله يبقى متسيّدًا على عرش القصيدة الفلسطينية والعربية في عمقها الوطني والقومي والإنساني، سيبقى شعر محمود درويش خالداً وسيبقى رمزاً للهوية الوطنية والقومية والإنسانية بكل أبعادها ....
عصية على الزوال والاندثار وسيبقى ملهماً للشعراء والأدباء وللأجيال من بعده، كان درويش متوافقاً مع ذاته، مندمجاً في الشعر اندماج الملح في الماء، مدركاً خصوصية وعمومية رسالته الأدبية الإنسانية، فكان محمود درويش ظاهرة عصية على التقليد، لأنه خرج من نطاقات التقليد إلى أرقى مستويات الإبداع والرموزية، ليمثل مدرسة قائمة بذاته.
ونحن اليوم نحيي ذكراه الحادية عشر، نؤكد على ضرورة العناية بإرثه الثقافي الأدبي النثري والشعري، وتعميمه لما فيه من رسالة إبداعية وطنية وقومية إنسانية متكاملة كتكامل شخصية محمود ورمزيته الأدبية والوطنية والإنسانية.
رحم الله محمود درويش.