تقرير: عنان شحادة

"شهيد النخوة" لقب أطلق على الشهيد أحمد جمال مناصرة (23 عامًا) من قرية وادي فوكين غرب بيت لحم، بعدما ضحى بنفسه من أجل إنقاذ مصاب أصابه الاحتلال برصاص الغدر، ليلة أمس على المدخل الجنوبي لبلدة الخضر "حاجز النشاش"، جنوب بيت لحم.

لم يكن الشهيد مناصرة يعلم أنه سيدفع حياته فاتورة بل قربانا، لإنقاذ مواطن فلسطيني بعدما قاده القدر لأن يغير طريقه التي يسلكها دوما عبر مدينة بيت جالا وصولا إلى مسقط رأسه.

يقول صديقه وهيب، الذي كان مرافقًا له بعد مشاركتهما فرح أحد شبان القرية، إنهما خرجا من مدينة بيت لحم واتجها إلى بيت جالا، وعند وصولهما مقر التربية والتعليم، ألحّ علي أحمد كثيرا وبطريقة غريبة بأن نغير الطريق ونذهب من طريق القدس الخليل عبر مخيم الدهيشة، مرورا بالمدخل الجنوبي لبلدة الخضر المسمى حاجز النشاش.

صمت وهيب وبدأ البكاء. وتابع "وصلنا على مقربة من حاجز النشاش، وقتها سمعنا صوت امرأة تستغيث وتبكي، وتقول انقذوا زوجي، علاء غياظة الذي أصيب برصاصة في البطن، لحظتها لم نجد أنفسنا إلا ونحن نخرج من السيارة ونهرول نحو المصاب، وحملناه إلى مستشفى اليمامة.

وأضاف: "هناك في المستشفى، رغم حالته الصحية الصعبة كان يوصينا بزوجته وطفلتيه، ويطلب إحضارهم، بالفعل عدنا لموقع إصابته، وهناك تعرضنا لإطلاق الرصاص بوحشية، ليصاب أحمد إصابة قاتلة".

عاد وهيب وبكى بحرقة ووضع يديه على رأسه، وقال "حسبنا الله ونعم الوكيل على المحتل".

موقف الشهيد البطولي جعل القريب والبعيد من داخل محافظة بيت لحم وخارجها، يتغنى بهذا الشاب المقبل على حياة كان يأمل فيها الكثير، وأن يعيش كباقي شباب العالم، وأطلقوا عليه "شهيد النخوة والرجولة"، وهو ما دفع الآلاف للزحف إلى مسقط رأسه والمشاركة في جنازته.

قرية وادي فوكين التي تقع بين فكي الاستيطان، حيث تحيطها مستوطنتي "بيتار عيليت" و"تسور هداسا"، شهدت يوم زفاف كبير للشهيد مناصرة.

في منزل والده الذي لا يبعد مئات الأمتار عن مستوطنة "بيتار عيليت"، زف الشهيد لآخر مرة، واستقبل بالزغاريد والحناجر التي هتفت له.

ألقيت عليه نظرة الوداع الأخيرة.

وما إن خرج من منزل والده محمولا على الأكتاف حتى تعالت الأصوات وذرفت الدموع.

والدة الشهيد وقفت قبالة المنزل تنتظر خروجه مكللا بالغار، اقتربت منه متسلحة بإيمانها الكبير، احتضنته وهو محمول ثم طبعت على خده قبلة الوداع، وقالت: "استودعتك عند رب العالمين"، لينطلق المشيعون وسط صيحات الغضب والاستنكار.

أما والده جمال مناصرة فقال "أنا آخر من عرف بشهادة ابني، الحمد لله هذا واقعنا وحالنا، وأقولها ابني ليس أحسن من باقي الشباب الذين سقوا أرض فلسطين".

والدته سارت خلف الموكب برفقة عدد كبير من النسوة، ورددت "ابني شهيد النخوة والكرامة"، "الله يرضى عليك، رفعت راسي يا حبيبي يا نور عيني، انا راضي عليك وبشهادتك، احتسبك عند الله".

بدوره، وصف محافظ بيت لحم كامل حميد ما حصل مع مناصرة بأنها "جريمة بدم بارد لجنود حاقدين"، وأن "المشاركة الواسعة في تشييع الجثمان دلالة على الوفاء لدماء الشهداء، وتعبيرا عن حالة الغضب بسبب الجريمة، وأن شعبنا يقدم حياته من أجل أن نحيا بكرامة".