أن يحتضن مقرُّ الرئاسة، جلسة افتتاح أعمال المؤتمر الدولي، لتعزيز دور القطاع الخاص في جهود الحوكمة ومكافحة الفساد، وأن تبدأ هذه الجلسة بكلمة للرئيس أبو مازن، تنوّرت تمامًا في وضوحها الوطني والسياسي والاجتماعي البليغ، فهذا يعني بداية أنَّ فلسطين الدولة، تدرك جيّدًا دور القطاع الخاص، وتعمل لتمكين هذا الدور في تعزيز ضوابط العقد الاجتماعي، التي تحقّق له النزاهة والشفافية، بما يجعله منتجًا في دروب البناء والتقدّم والازدهار، وعلى نحو ما يُحقّق العدالة والكرامة الاجتماعية، وبالقوانين التي تصون حُريّة الرأي والتعبير .

والحوكمة التي تعني في المحصلة الطريق إلى الحكم الرشيد، من خلال تمكين الإدارات الحاكمة من اتّخاذ السياسات والقرارات التي من شأنها أن تُنظّم العمل في مؤسسات القطاع العام والخاص، من أجل أن تكون فاعلةً وبنّاءةً، مع تدعيم المراقبة الرشيدة التي من شأنها أن تقود إلى مكافحة الفساد، وكلّ ذلك من متطلّبات وضرورات دولة العدالة الاجتماعية، التي تبني فلسطين اليوم بقيادتها الحكيمة، مؤسساتها، وتسن قوانينها بتطلّع أخلاقي حميم، وهي في دروب المقاومة الشعبية للخلاص من الاحتلال.

ومع حسن الانتباه الوطني، بوسعنا أن نرى أنَّ الحوكمة ومكافحة الفساد، سبيل آخر من سبل المقاومة الشعبية السلمية، بل هو السبيل الذي يجعل من دروب هذه المقاومة سالكة أكثر، كلّما حقَّق المزيد من منجزاته وأهدافه الحضارية، ولأنَّ الأمر كذلك احتضن مقرُّ الرئاسة جلسة افتتاح هذا المؤتمر الدولي، لتكون الحوكمة ومكافحة الفساد رسالة بناء ومقاومة، ولهذا بدأ الرئيس أبو مازن كلمته بقضايا التحديات الوطنية "نحن نتحدث عن قضية وطن، وقضية قدس، ولن أتراجع عن قراري، ولن أتنازل عن حقوقي، وعن حقوق شعبنا"، ليذهب فيما بعد إلى مجمَل قضايا الشأن العام الفلسطيني، بمختلف تسمياتها، وسُبُل التعامل معها، ومواجهة متطلّباتها، والتصدي لمهماتها، مُقترِحًا إنشاء بنك وطني للإقراض للقضاء على البطالة، وشركة وطنية للصادرات، ومرة أخرى قانون الضمان الاجتماعي قابل للمراجعة والتعديل مع الحوار المسؤول، ومؤكدا في ختام كلمته أنَّ هناك ثلاثة إجراءات مع أميركا وإسرائيل و"حماس" سنتّخذ القرارات اللازمة بشأنها بما يضمن تحقيق مصالح شعبنا .

الحوكمة ومكافحة الفساد في مؤتمر دولي انطلق من مقر الرئاسة... إنَّها الرسالة البليغة حقا التي تؤكِّد فلسطين الدولة، كضرورة أمن واستقرار وسلام وتقدم وازدهار، وهي تُعلن حرصها وإصرارها على حسن البناء والعمل لعقدها الاجتماعي.