العالم مازال بخير، ومن يعتقد أن كل الأنظمة والشعوب لونًا واحدًا يجانب الصواب، فهناك الغث والسمين، هناك أنظمة تؤمن حقيقة بالعدالة الإنسانية، وتعمل من أجل السلام الحقيقي، وتدافع عن الحقوق الوطنية والقومية والإنسانية، وتدعم الشعوب المظلومة دون حسابات صغيرة، وبعيدًا عن لغة ومنطق المصالح الضيقة. وفي ذات الوقت، هناك أنظمة الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ولقيطتهم دولة إسرائيل قامت على النكبة والاستغلال ونهب الشعوب، وانتهاك القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وارتكبت على مدار تاريخها الأسود مئات الحروب الداخلية والخارجية، ولا تتورع عن شن أي حرب حتى دون ان تتهدد مصالحها من هذا النظام أو ذاك، لمجرد ان يرفض هذا النظام أو ذاك سياساتهم واملاءاتهم. وللأسف يستخدمون مقولات "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية" و"حق تقرير المصير" لغايات تطويع الأمم والشعوب لمنطقها الإجرامي وبحثًا عن الأرباح الاحتكارية. كما فعلت في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، وحتى شعوبها تمارس ضدها عمليات القهر لخدمة دولها العميقة والحكومة العالمية.


ومن التجربة الحية التي نشاهدها، فإن الشعوب في مختلف دول العالم لا تتساوق مع حكوماتها باستثناء الفئات والشرائح المستفيدة من أنظمة الحكم الامبريالية، وتناهض انتهاكاتها وعمليات القتل والجريمة والإرهاب الدولاني المنظم، الذي تقوده تلك الدول، وتناصر الشعوب المظلومة والمضطهدة والواقعة تحت نير الاستعمار كما الشعب العربي الفلسطيني، الذي يعاني منذ 44 يوما ويلات حرب الإبادة والتطهير العرقي في أراضي دولة فلسطين المحتلة من أقصاها إلى أقصاها وخاصة في قطاع غزة، الذي استشهد من أبنائه حتى الآن اكثر من 12300 شهيدًا وما يزيد عن 30000 ألفًا من الجرحى، أضف إلى التدمير الهائل للوحدات السكنية بما يفوق 45% من مجمل المساكن، واغلاق المستشفيات وتحويلها إلى مقابر، وتدمير المساجد والكنائس والمدارس وآخرها أمس وأول أمس المجازر التي حدثت في مدرسة الفاخوة وتل الزعتر وأبو حسين في جباليا، ومئات المؤسسات ومراكز الإسعاف والعيادات، وفرض العقاب الجماعي المنافي لابسط معايير القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني... إلخ.       


ومن أمثلة الدول التي تمثلت دورها الإنساني، وارتقت إلى مستوى المسؤولية القانونية والعدالة، وتمردت على العصا الأميركية والأوروبية الغليظة جنوب افريقيا وبنغلادش وبوليفيا وجزر القمر وجيبوتي، التي توجهت لمحكمة الجنائية الدولية، وطالبت بالتحقيق في الوضع في الأراضي الفلسطينية، حسب ما ذكر المدعي العام للمحكمة الجنائية، كريم خان يوم الجمعة الفائت 14 نوفمبر الماضي. الأمر الذي يعزز الضغط على المحكمة لتمثل دورها في ملاحقة مجرمي الحرب الأميركيين والإسرائيليين، وفرض عليها إجراء تحقيقًا مستمرًا في "الوضع في دولة فلسطين" فيما يتعلق بجرائم حرب ارتكبت منذ 13 يونيو 2014، حسب وكالة "رويترز". بالاضافة لحرب الإبادة المتواصلة منذ 44 يومًا على محافظات الجنوب الفلسطينية. 


وهذا الموقف المشرف والشجاع لدول من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية يكتسب أهمية خاصة في ظل صمت الأقطاب الدولية، وتواطؤ معظم الدول الأوروبية. رغم أن شعوبها تقف موقفًا مناقضا لمواقفها عكسته مظاهرات شعوبها وانصار السلام وتخبها السياسية والأكاديمية والثقافية وبرلمانييها المستمرة دعما للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وادانتها جرائم الحرب الإسرائيلية، ومطالبتها بوقف الحرب فورًا. 


كما أن الضرورة تملي إبراز دور المحامين ال300 من مختلف قارات العالم، الذين تنادوا لمحاكمة إسرائيل على جرائمها بحق الفلسطينيين. وهذه الخطوة المتميزة والخلاقة بادر لها المحامي الفرنسي مايتر جيل ديفير منذ أسبوعين تقريبًا، وأعلن عنها يوم الثلاثاء 14 نوفمبر الحالي، واكد في تصريح متلفز، أن القائمة تضم 300 محام حتى الان، ويمكن جمع 3 الاف آخرين، مشيرًا إلى أن باب الانضمام مازال مفتوحًا أمام أي شخص "كشهود على الجرائم الإسرائيلية".


وقال ديفير: "قدمنا للمدعي العام شكوى باسم الجمعيات والنقابات بارتكاب إبادة جماعية، والقضية الفلسطينية معروضة في جميع المحاكم الوطنية والدولية." مشيرا الى ان "الحكومات تستطيع ان تفعل شيئا."  وتوعد احد اكبر المحامين الفرنسيين سنا السلطات الإسرائيلية ب"مصير اسود"، وخاطب الفلسطينيين: "لم يكن لديكم من يدافع عنكم، لكن اصبح لديكم الان جيش في المحاكم الدولية والوطنية."
وحسب سجل المحامي الفرنسي القدير ديفير، فانه يملك خبرة واسعة في القضايا الدولية معترف بها في القانون الدولي وقانون الاتحاد الاوروبي، ويتمتع بسجل ومكانة عالية في المحافل القانونية الدولية، ويعمل مع العديد من المجموعات السياسية ومع السكان المدنيين منذ يناير 2009 للدفاع عن الشعب الفلسطيني. 
هذا الجيش القانوني الدولي بقيادة ديفير الفرنسي يشكل رافعة مهمة للنضال الوطني الفلسطيني، ويسهم إسهامًا كبيرًا في إبراز قضيته، وإعادتها لصدارة المشهد العالمي، ويدفع بالحل السياسي القانوني قدمًا. لا سيما وان حرب الإبادة الوحشية والسيريالية قدمت لكل ذي بصيرة آلاف الوثائق الدامغة على كشف حقيقة دولة إسرائيل اللقيطة، كدولة منتجة للارهاب والجريمة المنظمة، ودولة تطهير عرقي، وخارجة على القانون. 


شكرًا كبيرة للدول الخمس جنوب افريقيا وبنغلادش وبوليفيا وجزر القمر وجيبوتي، وشكرًا كبيرة أيضًا للمحامين ال300 بقيادة المحامي الرائع ديفير من مختلف القوميات والأديان على ارتقائهم لمستوى المسؤولية الإنسانية، وانتدابهم لأنفسهم للدفاع عن فلسطين وشعبها المنكوب بإسرائيل وسادتها في البيت الأبيض وعواصم الغرب الأوروبي، الذين انتهكوا القوانين والمواثيق والمعاهدات الدولية الإنسانية وأبسط حقوق الانسان، بوقوفهم أمام وخلف دولة إسرائيل الخارجة على القانون.