في ذكرى ميلاد القائد الخالد جمال عبد الناصر ال(105)، وهي ذكرى عظيمة بعظمة الرجل ومكانته، ودوره التاريخي في استنهاض شعوب الأمة العربية والأمم الأفريقية وشعوب العالم الثالث، والنخب الوطنية والقومية والتقدمية فيها مجتمعة. كونه تمثل مصالح وحقوق تلك الشعوب والأمم منفردة ومجتمعة، وعبر عن مصالحهم، كما عبر عن مصالح مصر المحروسة، حمل همومهم وشجونهم وأفراحهم وآمالهم وطموحاتهم، وعكسها في نضاله اليومي من أجل التحرر والانعتاق من الاستعمارين القديم والجديد بشروط زمنه.


نجح زعيم الأمة العربية بجدارة في بناء مصر الحديثة بعد ثورة تموز / يوليو 1952، وشق طريق التحرر بقوة وإرادة الجماهير الشعبية المصرية، ومن أهم إنجازاته الوطنية: تأميم قناة السويس، وتأميم المصانع من أقطاب رأس المال المصريين والأجانب، وبناء مصانع جديدة، ومن أهمها مصنع الحديد والصلب، وتحديث مصانع الغزل والنسيج، وحقق ثورة فلاحية هامة عبر بوابة الإصلاح الزراعي، وأحدث قفزة نوعية في الحقل الثقافي الفني والتربوي، والتي قادها آنذاك ثروت أباظة، وزير الثقافة، وبنى جيشًا وطنيًا بامتياز، واسقط خيار التبعية للاستعمار الغربي الرأسمالي، وعزز مكانة الجنيه المصري والاقتصاد المصري بامكانيات مصر الخاصة.


وعربيًا قاد مشروع الوحدة العربية مع سوريا عام 1958، والتي لم تعمر طويلاً نتيجة انقلاب قيادة و ضباط حزب البعث عليها عام 1961، كما ساهمت ممارسات وأخطاء العديد من القيادات العسكرية المصرية في التعامل مع اشقائهم السوريين في هزيمة التجربة الأهم في الوحدة في التاريح المعاصر. فضلاً عن الدور التخريبي لقوى الثورة المعادية وأسيادهم في الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وحليفتهم اللقيطة إسرائيل الاستعمارية. وحمل راية قضية العرب المركزية، قضية فلسطين، التي حارب فيها وحوصر في الفالوجة قبل وبعد ثورة يوليو العظيمة، ودعم ثورة الجزائر، وثورة اليمن، وثورة ليبيا، وثورة العراق، وتصدى للقوى المعادية للمشروع القومي العربي.
وأيضًا شكل رافعة هامة مع شركائه من الزعماء الأفارقة في تحرر العديد من الدول الإفريقية، ومنهم اميلكار كابرال الغيني، وكوامي نكروما الغاني، وباتريس لومومبا الكونغولي وجونو كينياتا الكيني، وزعماء السنغال وجنوب أفريقيا، وغيرهم، وحمل لواء الإصلاح والثورة في القارة السمراء، وقدم الدعم والاسناد لكفاح شعوبها، وفتح أبواب الجامعات والمعاهد أمام الطلاب الأفارقة.


وعلى صعيد العالم الثالث تمكن بالتعاون والتكامل مع الرئيس الهندي نهرو، والاندونيسي سوكارنو، والرئيس اليوغسلافي تيتو والكوبي فيدل كاسترو من بناء منظمة عدم الانحياز، وكان أحد أبرز اقطابها. وشكلوا جميعًا خطرًا حقيقيًا على المنظومة الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة، التي قامت عبر أدواتها المأجورة من داخل تلك الدول، وفي الأقاليم والقارات التي تتموضع بلدانهم فيها باستهداف العديد منهم بوسائل مختلفة، بمن فيهم الزعيم الخالد جمال.


هذا الرجل العملاق، الذي حلت ذكرى ميلاده يوم الاثنين الماضي الموافق 16 كانون 2 / يناير الحالي، كان على مصر المحروسة وقياداتها المختلفة السياسية والعسكرية والحزبية والثقافية والإعلامية والاقتصادية الاحتفاء به، كما يليق به، وبمكانته التاريخية، وكان على العرب الوطنيين والقوميين كل من موقعه الاحتفاء بزعيم الأمة البطل عبد الناصر، والتصدي لكل أعداء الامة، الذين مازالوا حتى يوم الدنيا هذا يلاحقونه، ويحاولون النيل من مكانته وهامته القومية والوطنية أمثال نجيب سويرس وأقرانه ومن هم على شاكلته والاخوان المسلمين، وكل أعداء أبو التأميم والإصلاح الزراعي ورائد القومية العربية، والذي أعاد للعرب ولمصر الكرامة والمكانة التي تليق بها، رغم الهزائم التي حدثت في عهده، وأخطرها هزيمة العام 1967، والتي كانت نتاج عوامل ذاتية وموضوعية. لكنه نهض من تحت الرماد، وأعاد بناء الجيش المصري، وخاض معركة الاستنزاف، وهيأ لحرب أكتوبر 1973، ودعم الثورة الفلسطينية المعاصرة، ودافع عنها حيثما كانت في الأردن ولبنان، وبقي حتى آخر يوم في حياته في 28 سبتمبر / أيلول 1970 يدافع عن فلسطين العربية وقضايا العرب القومية.


ومعيب جدًا أن يتطاول الأقزام المصريين على المارد الوطني والقومي والأممي، الذي شكل عنوانًا ورمزًا للحرية والكرامة والاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي، وسيبقى اسم الزعيم الخالد، جمال عبد الناصر خالد أبد الدهر في سجل العظماء من العالم، ليس على صعيد مصر والأمة العربية فقط.
ولروحه ألف مليون سلام.