كلفني موقفي من النظام السوري الاستقرار في بيروت. تلك المدينة التي لم أكن أحبها وأنا طفل رغم عدم زيارتي مسبقا لها.. ولكن كرهتها بسبب ما كنت أراه في مجلاتها التي تتحدث وتصور المجتمع هناك بما فيه من تحرر وعري!

ولكن كانت مشيئة الله أن أذهب لهذه المدينة وأن أحبها وأحب أهلها الذين وقفوا مع الثورة الفلسطينية في مواجهة الانعزاليين ومؤيدهم نظام حافظ الأسد، وان أتزوج هناك.

لقد أكبر الأخ أبو عمار والأخ أبو جهاد والأخ ماجد أبو شرار وكادر الإعلام الموحد، وكتب عني يومها الأخ يحيى رباح بعنوان خالد يأتي ماشيا من دمشق إلى بيروت. حضوري إلى بيروت في هذا الوقت بالذات فسكنت مع الشباب في مبنى الإذاعة.. حيث كان الاستوديو في الطابق الأول والمنامة في الطابق الثاني.. وكانت تمضي الأيام لا أخرج فيها إلى الشارع.. حيث كان تنقّلي ما بين الطابق الأول والطابق الثاني.

كانت الإذاعة في البداية بقيادة الأخ الطيب الذي سرعان ما عين سفيرا في الصين الشعبية تسلمها بعده الأخ نبيل.. وكان من طاقم الإذاعة الأخ طاهر العدوان، وكان كاتبا ومعلقا سياسيا كبيرا، وبلال شرارة وهو لبناني وهادي دانيال وهو سوري، واسمه محمود السربيوني والشاعر الأردني أمجد ناصر، وكان يتردد على الإذاعة بين الفينة والأخرى الكثيرون من القيادات الفلسطينية والحزبية اللبنانية يشاركوننا الكتابة ضد الانعزاليين وضد نظام حافظ الأسد، منهم صالح القلاب ورشاد أبو شاور والشاعر الكبير معين بسيسو وشاعر الثورة محمود درويش والقيادات الهامة وعلى رأسها الأخ أبو عمار والأخ أبو جهاد والأخ ماجد أبو شرار وكانت تضم عددا من الاصوات الهامة كالأخ محمد أبو زهرة والأخ عبدالله بهيج ومحمد الدرهللي، ويوسف القزاز وفيما بعد الأخت إيمان والأخت أمل والأخت أسماء الجراح، والأخت نعم فارس وكانت كلها من الأصوات الرائعة التي تنافس أكبر مذيعي ومذيعات الدول العربية بالرغم من عدم ذكر أسمائنا.

لم أكن أخطط للبقاء في بيروت، وكان هدفي أن أشارك في معاونة زملائي المذيعين الذين أحسست من خلال متابعتي لهم وأنا في دمشق أنهم مرهقون، وأيضا لأكشف كذب وادعاءات نظام حافظ الأسد حول حماية الثورة الفلسطينية، ثم أعود إلى عملي في التعبئة والتنظيم في دمشق، حيث كنت انوي الاستقرار والزواج هناك حيث يعمل أخي نافذ في جهاز الغربي مع الأخ أبو جهاد والأخ أبو الوليد- رحمهما الله-.

ولكن لم تسر السفن كما كنت اشتهي، حيث زارنا الأخ (أبو زياد) عز الدين الشريف أحد مسؤولي الغربي في دمشق وأعلمني أن اسمي موجود على الحدود وحذرني من العودة إلى دمشق حيث الاعتقال، على الأقل، هو مصيري.

وأسقط في يدي فليس أمامي إلا البقاء في بيروت وهذا ما أثلج صدر أخي نبيل مسؤول الإذاعة الذي كان يحاول بشتى الطرق إقناعي في البقاء فسارع بإحضار قرار تعييني نائبا لمسؤول الإذاعة.

كانت الإذاعة في بيروت مصدر إزعاج وقلق كبيرين لنظام حافظ الأسد.. حيث كانت تكشف أكاذيب النظام وادعاءاته بحماية الثورة في الوقت الذي يقوم بتصفيتها كما حدث في مخيم تل الزعتر وغيره، لذلك هدد بقصف الإذاعة بالطائرات وراجمات الصواريخ، وخوفا منا على جماهيرنا اللبنانية التي تسكن حولنا وبناء على تعليمات مدير العمليات المركزية الشهيد أبو الوليد (سعد صايل) والأخ القائد الرمز أبو جهاد تم نقل بث الإذاعة من بيروت إلى الجنوب اللبناني، وكنا نسافر يوميا حاملين معنا الأجهزة والأشرطة المسجلة والأناشيد الثورية.. وكانت تجابهنا في بعض الأحيان ازدحامات الطرق فنصل متأخرين عن موعد البث وأحيانا كان القائد الرمز أبو جهاد يغطي هذا التأخير من عنده فيكون هو المعلق وهو المذيع. وحصل يوما أن تصادمت سيارة الإذاعة، وكان بها الأخ أحمد حماد الذي كنا ننادية بالضابط، مع سيارة أخرى حيث جرح أحمد والسائق ولكن الله لطف ولم تتوقف الإذاعة عن البث.

وفي إحدى الليالي كنت والأخ مهندس الصوت أبو زهير/ هشام السعدي في استوديو الإذاعة في الجنوب، وإذ بصبية بملابس الفدائيين العسكرية تدخل علينا وكانت تعرف الأخ أبو زهير الذي عرفني بها وقال إنها الأخت دلال المغربي التي كان الأخ أبو جهاد يجهزها لعملية كبيرة ويبدو أن موعد العملية كان تلك الليلة، وعندما علمت بأني المذيع أصرت على أن تسمع صوتي من خلال الميكروفون مباشرة، وكان لها ما أرادت وكم كانت سعادتها عندما رأت صاحب الصوت الذي تسمعه يوميا.. كانت فرحتها كفرحة طفل حصل لتوّه على هديته! رحمها الله وزملاءها رحمة واسعة، حيث أسست هي ومجموعتها أول جمهورية فلسطينية لعدة ساعات داخل الوطن المحتل عام 1948، واستشهدت هنالك وتفاصيل قصتها يعرفها ويفخر بها كل فلسطيني.

كانت بيروت في تلك الأثناء تزخر بالإذاعات المحلية الثورية والانعزاليية.. فهناك بالإضافة إلى إذاعتنا إذاعة المرابطون وتتبع الأخوة الناصريين بقيادة إبراهيم قليلات، وإذاعة الشغلية، وإذاعة الانعزاليين (الكتائب) وإذاعة الأحدب وجيش لبنان العربي، وإذاعة بيروت الرسمية وغيرها وكانت الحملات الإعلامية بينها على أشدها ناهيك عن المعارك الحربية على مختلف المحاور.

أذكر على سبيل المثال أن إذاعة الكتائب كان لها أسلوب تهكمي ضدنا وضد الحركة الوطنية اللبنانية خاصة ضد رموزها وقياداتها تقول: أن القيادات العميلة للفلسطيني تحمل أسماء على شاكلتها أمثال: الحاوي والشاوي والواوي! والمعروف أن المرحوم جورج حاوي كان من قيادات الحزب الشيوعي اللبناني المنضوي تحت القيادة المشتركة للحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية.

ومن نوادر تلك الإذاعة انني كنت أقرأ نشرة أخبار الصباح وكان صباحا ماطرا وباردا ومن ضمن تلك الاخبار الخبر الرئيسي حول رسالة تهنئة من الأخ أبو عمار للبطريرك الماروني، المعوشي، أو صفير، لا أذكر بمناسبة السنة الجديدة، وحاولت أن اهتم بقراءة الخبر.. إلا أنني لم أستطع أن الفظ كلمة (البطريرك) المعوشي، وخرجت على الهواء متقطعة البط بط.. البط بط إلى أن اختصرتها بالبطرق ولم نسلم من إذاعة الكتائب طيلة ذلك اليوم! بل اعتبرت هذا الخلل اللفظي بالمقصود.!

كان لإذاعتنا في بيروت الدور الكبير في زعزعة نظام حافظ الأسد لدرجة أن عبد الحليم خدام أحد أركان النظام في ذلك الوقت كان يعبر عن ذلك بقوله إن لعرفات ماكينة إعلام رهيبة طبعا كان يقصد بالإضافة إلى الإذاعة جريدة فلسطين الثورة ووكالة وفا.

تدخلت الجامعة العربية لوقف القتال في لبنان وتم الاتفاق على تسمية القوات السورية التي دخلت لبنان لقتالنا ودعم الانعزاليين بقوات الردع العربية.. إلى أن تم التصالح مع النظام السوري وجرى (التحالف الاستراتيجي) معه إلا أن عودتي إلى الشام ما زالت كما هي!

قررت الاستقرار في لبنان والزواج هناك وكان للشهيد ماجد أبو شرار الدور الهام في مساعدتي بذلك قائلا اختر عروسك وعليّ الشقة.. وكان رحمه الله مسؤول الإعلام الموحد في تلك الفترة.

وبر بوعده حيث قادني القدر إلى أسرة كريمة من عائلة يافاوية معروفة وهي عائلة (البيبي) ما أن ذكرتها لوالدي -رحمه الله- فعرفها وبارك اختياري الموفق.. وما أن علم عمي(حماي) رحمه الله اسم عائلتي حتى وافق على تزويجي من ابنته.. وبذلك كان لي الاستقرار في بيروت التي عشت فيها أكثر من سبع سنوات رزقت خلالها بثلاث بنات.

احترت أين يكون عرسي.. حيث أن صالات الأفراح في بيروت، والتي كانت تسمى بالخلية، تحتاج إلى ميزانية ثانية غير متوفرة فجاء اقتراح الصديق صالح القلاب ومحمود النوايسة وقيادة رابطة الطلاب الأردنيين في لبنان أن يكون العرس في مقر الرابطة دون مقابل، شرط أن أتكفل بالزينة ومتطلبات الضيافة، وتكفّلت فرقة موسيقى الثورة (القرب) بعزف الأناشيد والموسيقى وتكفل أخي جمال نصار (جمال الفيديو) بالتصوير وسيارة الإذاعة بالزفة.. وكان على رأس المحتفلين بزفافي الشهيد ماجد أبو شرار، وكادر الإذاعة على رأسهم أخي نبيل، وفلسطين الثورة، ووكالة وفا، وقسم السينما والتصوير.

طبعا حضر الأهل من عمان وكان عددهم كبيرا بعضهم نزل في أحد الفنادق، واستضاف أخي نبيل عددا من أخواتي في منزله وهو جميل لا أنساه له أبدا.

وحسب العادة قدم لي عمي والد زوجتي هدية العرس من ضمنها قطعة قماش لتكون بدلة العرس ولكن تفصيلها مكلف، فتوسط أخي صالح القلاب لدى خياط بيروتي لتفصيلها بأجرة مخفضة وقد كان وما زلت أحتفظ بها للذكرى.

أذكر هذا لأدلل على مدى الترابط الأسري الذي كان يجمعنا في الإذاعة.. وعلى التماسك الفلسطيني الأردني من خلال رابطة الطلاب الأردنيين برئاسة صالح القلاب ومن خلال الأخت سلوى العمد والصديق طاهر العدوان.

وكان للأخ طاهر موقف لا أنساه عقب قصف الطيران الاسرائيلي للشقة التي كنت أسكنها قرب المدينة الرياضة في بيروت.. فبالرغم من الوجود المكثف للطيران المقاتل في سماء بيروت فقد صعد معي إلى الطابق السابع حيث كنت أسكن لإنقاذ ما يمكن انقاذه من عفش منزلي ونقله إلى منزل عمي في المزرعة، يحمل معي بعض العفش على عاتقه. ولهذه الشقة في المدينة الرياضية قصة أخرى.

كنت أسكن في مبنى الإذاعة حيث الشقة التي وعدني بها الأخ ماجد أبو شرار وشقة أخرى يسكنها المرحوم فاروق سرور وأسرته.

أردنا التوسع في الإذاعة وبناء استوديو للتسجيلات بالإضافة إلى استوديو الهواء الوحيد وهذا يتطلب الحصول على الشقة التالية والتي يسكنها فاروق لكنه رفض ترك الشقة إلى أخرى خارج مبنى الإذاعة، فتطوعت بتركي منزلي لفاروق لتتم التوسعة وغادرت إلى الفاكهاني في شقة على الدور السابع من عمارة قرب المدينة الرياضية عانت زوجتي الكثير بسببها.. حيث أن الكهرباء كانت تنقطع باستمرار فتضطر زوجتي إلى الصعود إلى الدور السابع وهي حامل، وكان أن أجهضت ثلاث مرات بسبب ذلك.!

· السفير والمفوض السياسي:

أردت أن أستريح من العمل الإذاعي حيث أمضيت فيه منذ العام 1968 وحتى العام 1980م عملا متواصلا ليلا ونهارا تخلله العمل في زمزم/عمان ودرعا وصنعاء وبيروت بالإضافة إلى القاهرة، وأردت أن ألتحق بالعمل الدبلوماسي بعد أن مارست بعضا منه في صنعاء فشاورت مدير عام الدائرة السياسية الأخ عبد اللطيف أبو حجلة وعلمت منه أنه لا يوجد شاغر الآن إلا في كوريا الشمالية فوافقت واستشار الأخ أبو حجلة الأخ أبو اللطف، رئيس الدائرة السياسية الذي وافق بدوره واستمزج حكومة كوريا الشمالية التي وافقت هي أيضا.. لكن المعضلة كانت في موافقة الأخ أبو عمار. وعندما علم بذلك رفض وطلبني لمقابلته واستدعى الأخ نبيل: بقينا في حضرته أكثر من ساعة دون أن يكلمنا متشاغلا بالأوراق التي أمامه عندها تركنا الأخ نبيل وبقيت وحدي.. بعدها التفت اليّ وقال: صحيح انت عايز تعمل سفير؟!

قلت: أخ أبو عمار منذ عام 68 وأنا في الإذاعة لأجرّب عملا آخر.

قال: أغيّر لك الكرسي! أين نبيل، ولما حضر نبيل فاجأنا بأنه يريدني أن أكون المفوض السياسي لجيش التحرير! وتصبح ضابطا في الجيش.

ولما سأل نبيل مستنكرا" والإذاعة"؟

أجاب الأخ أبو عمار: بالإضافة إلى عمله في الإذاعة.

وترك لي المجال للتفكير...

كنت في حيرة من أمري لأن ذلك يعني أن انتقل إلى الجنوب اللبناني، حيث مواقع القوات وأترك أسرتي في بيروت.. زوجتي وثلاث طفلات أكبرهن سنتان ونصف السنة وأصغرهن شهران...!

ماطلت فترة، وذهبت إلى الحج كعادتي كل عام لأمثل فلسطين في النقل المباشر من مناسك الحج، وفي تلك الأثناء كان مسيّر أمور جيش التحرير العقيد فخري شقورة يبحث عني، وعندما عدت ذهبت إلى مقر قيادته وعرفته بنفسي ويبدو أن سمعتي لديهم كانت جيدة لذلك قبلوني ضابطا لديهم برتبة رائد وتعرفت على العقيد خالد سلطان وكان بالإضافة إلى مهامه، يستلم إعلام الجيش ومجلة صوت فلسطين فرحب بي لأساعده في تلك المهمة بسبب خبرتي الإعلامية.. وبذلك أصبحت أيضا نائبا لمسؤول الإعلام في الجيش، فأصبح عملي بين الإعلام والقوات. وطلب مني الأخ أبو عمار أن أعمل على توحيد قوات العاصفة بقوات جيش التحرير حسب قرار المجلس الوطني الفلسطيني لتشكيل "جيش التحرير الوطني الفلسطيني"، وأخبرني أن هذا القرار لن يساعد على تطبيقه إلا الأخوة في جيش التحرير أما الفصائل الأخرى فهي غير جادة، فكتبت أول افتتاحية في المجلة حول هذا الموضوع وعرضتها عليه وأرشدني إلى امور كانت خافية عليّ.

ثم قرر أن يضمني إلى التفويض السياسي في القوات الذي يرأسه المرحوم خطاب (عزت أبو الرب) وبذلك أصبح جيش التحرير الفلسطيني ممثلا بالتفويض السياسي لقوات العاصفة وأصبحت عضوا في المجلس الأعلى للتفويض السياسي.. واستمر عملي الجديد من خلال مكتب العقيد خالد سلطان في المبنى الذي فيه مكتب الشهيد القائد أبو إياد (صلاح خلف)، ومكتب الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين وغيرها، إلى أن بدأ الاجتياح الاسرائيلي للجنوب اللبناني في صيف العام 1982م ثم حصار بيروت من قبل الجيش الصهيوني بقيادة مجرم الحرب إرئيل شارون، حيث قصفت طائراته الحربية مكتب الأخ أبو إياد قاصدة اغتياله فتم تدمير المبنى بما فيه مكتبنا.. ونجونا من موت محقق، حيث كنت وقتها في منزل عمي والد زوجتي في المزرعة بعد أن أخليت أسرتي من الشقة السكنية في الفاكهاني التي قصفت بدورها لقربها من معسكر قوات الـ 17 عدة مرات من الطائرات الإسرائيلة الحربية، وبذلك انقطعت صلتي المباشرة بجيش التحرير الفلسطيني الذي توزع على عدة محاور لحماية بيروت وتفرغت للعمل مرة أخرى في الإذاعة طيلة أيام الحصار والقتال، وكنا ننتقل بالإذاعة من حي إلى آخر نتيجة قصف الطيران، وكانت معارك مشهودة بيننا وبين قوات الاحتلال الصهيوني المحاصر لبيروت عبر الهواء مباشرة، وتلك قصة كتب تفاصيلها الأخ نبيل عمرو في كتاب منفصل.

شهدت بيروت الغربية بشوارعها وحاراتها ومحاورها معارك بطولية تم من خلالها دحر قوات شارون التي لم تستطع أن تتقدم شبرا واحدا داخل بيروت أو مطارها الدولي أو مينائها البحري، واستنجدت عاصمة لبنان والتي سميناها عاصمة العرب بيروت بشقيقاتها، فكان الرد من زعيم ليبيا آنذاك معمر القذاقي انتحروا ولا تخرجوا دون أن يكلف نفسه إرسال طلقة رصاص واحدة، وأرسلت الولايات المتحدة مندوبها للمنطقة فيليب حبيب الذي أخذ مساومة قيادتنا وقيادة الحركة الوطنية اللبنانية على خروجنا مستسلمين، عندها جمع القائد أبو عمار القيادات الفلسطينية واللبنانية التي كانت تدافع عن بيروت طالبا رأيها.. وكما سمعت من الراحل الأب إبراهيم عياد وكان وقتها عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن القيادة المشتركة تركت اتخاذ القرار للقائد أبو عمار.. عندها قام من مكانه، والكلام للأب إبراهيم عياد وقال سأصلي ركعتي استخارة واعود لكم.. وكان القرار "إلى الجميع هبّت رياح الجنة".

جاءت البرقية إلى الإذاعة وسلمني إياها الأخ المناضل طاهر العدوان وكان وقتها نائب مسؤول الإذاعة، وكانت أسعد لحظاتي فشعرت بأني شهيد حيّ يقرأ خبر استشهاده عبر الميكروفون.

واشتدت المعارك وانهمرت القذائف كالمطر على كل بيروت الغربية والإذاعة صامدة إلى أن تم الاتفاق على الخروج من بيروت دون استسلام وبكرامة بعد أن أصر الأخوة اللبنانيون من اجل حماية بيروت وأهلها على خروجنا إلى عدة دول عربية، وهنا أبلغني الأخ خطاب نائب المفوض السياسي العام اختيار الأخ القائد الرمز أبو عمار لي لأكون المفوض السياسي للقوات الخارجة إلى تونس، فما كان عليّ إلا أن أؤمن أسرتي إلى خارج بيروت قبل مغادرتي إلى تونس وقد نجحت في ذلك.

غادرت بيروت متوجها وزملائي من قوات جيش التحرير الفلسطيني وقوات الـ 17 وعدد كبير من مثقفي وكتاب وصحفيي الثورة الفلسطينية من مختلف التنظيمات بما يقارب الألف مناضل على متن سفينة اسمها ( صولفرين)، وقد كتب الروائي والكاتب المناضل رشاد أبو شاور الذي كان معنا على متن السفينة روايته المشهورة (اه يا بيروت)، حيث أرّخ من خلالها رحلتنا عبر البحار والتي استمرت أكثر من أسبوع بحلوها ومرها، ومن خلال عملي كمفوض سياسي لهذه القوات التي كانت بقيادة مسيّر أمور جيش التحرير الفلسطيني العقيد فخري شقورة اكتشفت واقعنا المر.. واقع الثورة الفلسطينية من خلال "جمهور" السفينة الذي يمثل شريحة متنوعة تمثل مجتمعنا الثوري.

· تونس:

وصلت الباخرة اليونانية صولفرين بتاريخ 28/8/1982 إلى ميناء بنزرت التونسي حاملة قرابة الألف من الفدائيين الفلسطينين، بعد صمود بطولي للثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية استمر قرابة 88 يوماً. كان قائد السفينة العسكري كما ذكرت آنفا العقيد فخري شقورة وكنت نائبه السياسي أي المفوض السياسي للقوات الذاهبة إلى تونس.

وهذه خواطر أنقشها بهذه المناسبة التي احتفلت بها تونس لأول مرة منذ ذلك التاريخ وقلت فيها:

"تجربتي هي تجربة أي فلسطيني سواء كان محاصراً في بيروت أو يعيش خارج بيروت".

في ذلك الصيف من العام 1982 جرّد مجرم الحرب شارون في عهد حكومة مجرم الحرب بيغن جلّ القوات الصهيونية في محاولة للقضاء على الثورة الفلسطينية والقوات المشتركة الفلسطينية اللبنانية ودحرها من الجنوب اللبناني لإبعاد نيران الثوار عن المستوطنات الاسرائيلية المتاخمة للحدود اللبنانية إلى مسافة 40 كيلومترا داخل لبنان، حين كشفت مصادر إسرائيلية ما تم الاتفاق فيه مع الرئيس السوري في تلك الفترة حافظ الأسد. والمعروف أن الاسرائيلين لا يحفظون العهود فنقضوا اتفاقهم مع الأسد واستمروا باتجاه بيروت بمساعدة عملائهم من حزب الكتائب بقيادة بشير الجميل.


حوصرت بيروت الغربية معقل الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، حيث تمكّن الصهاينة من متابعة ما يجري عندنا من جبل لبنان ومقر الرئاسة اللبنانية التي استولى عليه الصهاينة وعملاؤهم.

كان عملي في تلك الأثناء وقبل الاجتياح بعام واحد: المفوض السياسي في جيش التحرير الفلسطيني الذي التحق بقوات الثورة من مصر بعد تدخل النظام السوري بقيادة حافظ الأسد ضدنا في العام 1976م، وكان مكتبي في نفس المبنى الذي يضّم مقر القائد الشهيد أبو أياد (صلاح خلف). وحيث أن شارون وقواته كانوا يتابعون مقرات القيادة في بيروت. وفي محاولة لاصطياد هذه القيادة تمّ قصف هذا المبنى عندما اعتقد شارون خاطئا بوجود أبو إياد داخل مكتبه.. حيث دّمر المبنى بما فيه مكتبي.. لذلك عدت إلى عملي السابق والتحقت بإذاعة الثورة التي كان لي شرف أن أكون أحد مؤسسيها في العام 1968م، ومارست عملي السياسي والتحريضي من خلال صوت الثورة الفلسطينية التي كانت هدفا دائما لطائرات شارون حيث تم تدمير مرسلاتها في جنوب لبنان ثم ملاحقة هذا الصوت في قلب بيروت وكنا ننتقل من مكان إلى آخر كالدجاجة وفراخها أو القطة وجرائها.. وكان مثقفو وصحفيو الثورة وكتابها قد التحقوا بهذه الإذاعة في بيروت.

تمّ ممارسة ضغوطات كثيرة على قيادتنا من الأصدقاء والحلفاء بالإضافة إلى الأعداء كي نترك بيروت رافعين الراية البيضاء، وشذّ عن هؤلاء معمر القذافي الذي نصحنا بالانتحار في بيروت دون أن يكلف خاطره إرسال طلقة مدفع أو قذيفة صاروخ تعيننا على الصمود أو حتى تساعدنا على الانتحار.

جمع القائد الراحل الرمز ياسر عرفات قادة الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية لاستشارتهم في الأمر قالوا له أنت القائد والقرار لك، ثم قام ليستخير ربه وعاد ليعلن رفض الاستسلام، معمما برقيته الشهيرة "هبّت رياح الجنة". علم فيليب حبيب المبعوث الأميريكي الذي كان يساومنا على الخروج بالراية البيضاء بقرار القائد الرمز بالصمود، لذلك غيروا خططهم وتم الاتفاق على خروجنا خروجاً مشرفاً بلباسنا العسكري وبسلاحنا إلى عدة أقطار عربية.

تمّ اختياري من قبل الرئيس الراحل أبو عمار لأكون المفوض السياسي للقوات الخارجة إلى تونس.. إلى بنزرت.

كان شعوري غريباً.. كنت أتمنى الشهادة في بيروت على أن أغادرها بعد أن امضيت فيها سبع سنوات، تزوجت خلالها وأنجبت ثلاثة أطفال، كان عمر أصغرهن ثلاثة أشهر عند الاجتياح. أين أذهب بأسرتي والقرار أن نغادر منفردين دون أسرنا.

لكن القيادة كانت قد رتبت للأمر، حيث استطعتُ إخراج زوجتي وطفلاتي الثلاث بوثيقة تساعدهم على اجتياز حواجز الإسرائيلين وعملائهم "الكتائب"، كل من كان في بيروت يعرف تفاصيل تلك الإجراءات.. وتأكدت من وصولهن إلى الأردن حيث أهلي هناك.

كان وداعنا من قبل جماهير لبنان وداعاً مؤثراً، فقد رأى العالم اللبنانيين وهم ينثرون الأرز علينا ونحن نتوجّه بالشاحنات إلى مرفأ بيروت لنستقل السفينة اليونانية صولفرين التي ستأخذنا إلى بنزرت. كان الاسرائيليون يراقبوننا عبر المناظير في بيروت الشرقية ورغم ذلك أدخلنا سلاحنا إلى بطن السفينة وكافة أجهزتنا وكان الشرط ألا نظهر بالسلاح على ظهر السفينة.. لذلك تمّ تأخير إبحار السفينة حتى المساء، فوجئت بالعدد الكبير الذي حوته السفينة، فبالإضافة إلى قوات جيش التحرير الفلسطيني كان هناك عدد آخر من قوات الثورة بفصائلها المختلفة.

كم كان الأمر جديداً عليّ فلأول مرة أتعايش مع مشارب مختلفة وآراء عدة مباشرة وعلى الهواء.. ولأول مرة أرى الثورة وواقعها وألمسه لمس اليد.. ولا أخفيكم انني فوجئت بذلك رغم مرور (14) عاماً على وجودي عضواً فاعلاً في الثورة في ذلك الوقت، وقد وثّق أخي رشاد أبو شاور معاناة أسبوع في البحر من خلال قلمه الرائع والسآخر في روايته "آه.. يا بيروت" أحيلكم إليها.

صباح يوم 28/8/1982 وصلنا بعد معاناة كبيرة مدة أسبوع في لجّة البحر إلى ميناء بنزرت، وكم سرّنا أن نرى قبل رسّونا الميناء الرئيس الراحل الحبيب بورقيبه على رأس مستقبلينا رغم مرضه. ولكن، صعد عدد من الضباط التونسيين إلى ظهر السفينة للترحيب بنا قبل النزول وفاجأونا بعدم السماح لنا بحمل سلاحنا! عند خروجنا من السفينة.. احتقن وجه قائد السفينة العقيد فخري شقورة وسالت الدموع من عينه غير مصدق ما يطلب منا، رفضنا النزول.. جرت مفاوضات سريعة وإكراما لانتظار الرئيس بورقيبه وقوفاً في الميناء.. تمّ الاتفاق على أن ينزل (الضباط السّامون) فقط بسلاحهم أي من هم برتبة رائد فما فوق.

حملت الكلاشن فرحاً، وكنت وقتها برتبة رائد، ونزلت من السفينة مع بقية زملائي وسط هتافات الجماهير التونسية في المرفأ وقبل وصولي للسلام على الرئيس بورقيبه تلقّفني صحفي أجنبيّ متهكماً: هل تتكلم الإنجليزية؟ نعم. أتعتقد أن هذا السلاح البسيط سيصل إلى تل أبيب؟! فرددت عليه بما يستحق ورأى العالم كله ذلك.. واعتقد أنه نفس الصحفي الذي سأل أبو عمارعند خروجنا من بيروت: إلى أين من هنا يا عرفات؟ يومها أجابه أبو عمار إلى فلسطين! وقد كان.

جُلنا شوارع بنزرت وسط ترحيب حارّ ورائع من قبل الجماهير المحتشدة مما جعلنا نشعر بالفخر والسعادة والمعنويات العالية.

أرسلنا إلى معسكر الجيش التونسي في ولاية باجه وهو معسكر وادي الزرقة فيه مبنى قديم واسع وجهّز بخيام كبيرة تستوعب أعدادنا التي قاربت على الألف إنسان، وهو معسكر مسيّج في أطراف العمران أشعرنا بالوحشة ونحن الذين تعودنا أن نكون بين الجماهير في لبنان.

وعندما غادر الأخ أبو عمار بيروت قام بزيارتنا في المعسكر حيث تفقد أوضاعنا وقرر سحب وانقاذ كل الكوادر السياسية والإعلامية من كتاب وصحفيين إلى خارج المعسكر بعضهم إلى فندق سلوى، مقر القيادة الجديد في تونس، وبعضهم إلى بلدان عربية أخرى.. وبقيت السياسي والإعلامي الوحيد في المعسكر فأنشأت محطة إذاعية داخلية، كي يتابع الأفراد أخبار العالم وأخبار أهلهم في لبنان، وكم كنا سعداء عندما قتل المجرم بشير الجميل وسرعان ما تبدلت السعادة والفرح بالحزن والغضب والتمرد عندما ارتكبت جحافل التتار الجدد، الكتائب والصهاينة، مجزرة صبرا وشاتيلا تلك المأساة المروعة التي هزت العالم كله.

أصبح الخوف على الأهل يزداد وخاصة من أهلهم في لبنان وفكرت بالاتصال بأسرتي دون جدوى، حيث لا اتصال من داخل المعسكر ولا أعرف أين هم وقلبي يتفطر لسماع صوت طفلاتي وزوجتي.. هل هم في الأردن أم غادروه حيث من الصعوبة للفلسطيني الإقامة في الأردن لمدة طويلة. وبعد عشرة أيام من القلق والحيرة استطعت الخروج من المعسكر إلى مقر القيادة في فندق سلوى في حمام الشط، ومن هناك كان الاتصال والاطمئنان وراحة البال التي لم تستمر طويلا حيث على أسرتي أن تغادر الأردن وأنا الممنوع من دخوله إلا إلى السجن فغادرت تونس إلى دمشق الأقرب إلى عمان حيث يقيم أخي الضابط في قوات الثورة الموجودة في سوريا. فوجئت بقرار طرد زوجتي وطفلاتي من عمان إلى سوريا بحجة انتهاء مدة الإقامة وانتظرت وصولهم في دمشق على أحّر من الجمر بعد أن مضى ثلاثة أشهر دون رؤيتي لهن خاصة طفلتي التي كان عمرها عند الاجتياح ثلاثة شهور، وهي الآن بعمر ستة شهور وأخذت أتخيل التغير الذي طرأ عليها.. وكم كبرت وأتخيل مكاغاتها وصوتها وشوقي لحملها واحتضانها هي واخواتها وأمهن. طال الانتظار ولا نعرف سبب التأخير عدت وأخي إلى منزله في دمشق بانتظار الآتي.. وبعد منتصف الليل إذ بالباب يدق دقات سريعة غاضبة فإذا هو أخي الذي يكبرني والموظف في الأردن والذي يقل أسرتي بسيارته من عمان إلى دمشق يرغي ويزبد ويصيح بأعلى صوته ضد قادة البلدين في دمشق وعمان.. هدأنا روعه وعلمت منه أنه بعد طرد الأردن لأسرتي رفضت سوريا ادخالهن وسمحوا له هو فقط بالدخول كونه أردنيا.. أي أن اسرتي أصبحت على حدود البلدين دون مأوى.. وسرعان ما أجرى أخي الضابط عددا من المكالمات الهاتفية مع متنفذين في سوريا حيث تمّ السماح لأسرتي بالدخول مرورا فقط على أن تغادر فورا الأراضي السورية.. عاد أخي القادم من عمان بسيارته لإحضار اسرتي من الحدود السورية الأردنية.. وانا بالانتظار على أحّر من الجمر.. سأحمل ابنتي الصغيرة واقبلها وأداعبها وتحقق الحلم ها هي أسرتي أمام ناظري ولكن ابنتي الصغيرة كانت نائمة حاولت مداعبتها لإيقاظها دون جدوى.. الحمدلله الذي لمّ شملنا.. حاولت التحايل لإبقاء أسرتي في دمشق وأعود إلى عملي في تونس.. إلى أن أجد لهّن مكانا يؤوينا.. إلا أن الشهيد القائد سعد صايل، أبو الوليد رحمه الله سهّل الامر علي وأقنعني بحمل أسرتي معي إلى تونس حيث فندق سلوى.

في تلك الأثناء ألقى ملك الأردن الحسين بن طلال خطابا سياسياً حيا فيه صمودنا في لبنان، وأثنى على قيادتنا واستغرب تشتيت هؤلاء الأبطال الذين رفعوا رأس العرب بصمودهم الأسطوري في بيروت وهل ضاقت عليهم الأرض بما رحبت؟

اعتبرت هذا الخطاب دعوة لمن كان ممنوعا من العودة إلى الأردن أن يعود. فعملت على ذلك واقنعت الراحل "أبو عمار" أن نغتنم هذه الفرصة وانتقل للعمل في الأردن حيث لنا قوات بدر التابعة لجيش التحرير الفلسطيني. وأنا المفوض السياسي له. وبعد أن وافق الأخ أبو عمار ولكن على مضض غادرت وأسرتي إلى عمان وتلك قصة يطول شرحها ومعاناتها.

المهم.. تمّ إنشاء مكتب للإعلام الفلسطيني في عمان تسلمت قيادته من أخي نبيل عمرو في فترة لاحقة.

كان العرب قد اتفقوا على عقد قمة عربية خاصة للترحيب بقائد الصمود في بيروت الأخ أبو عمار، وأعتقد أن ذلك اعتذاراً منهم لتركهم عاصمة عربية تحت الحصار دون أن يفعلوا شيئاً إلا من دعوة القذافي لنا بالانتحار.

بعدها تصاعد التوتر مع الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد وقرر طرد الأخ أبو عمار من دمشق، ثم تمّ حصاره في طرابلس لبنان في العام 1983م. وتكرر الخروج من طرابلس بالبواخر.. الأول كان بحصار من شارون وجيشه والثاني كان بحصار الأسد وجيشه وعملائه.

وزاد الطين بله تصريح السيد بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي بتجفيف مصادر الدعم لمنظمة التحرير الفلسطينية وعبارته المشهورة (باي باي) (plo) ثمّ مؤتمر ما سمي بالوفاق والاتفاق في عمان للملوك والرؤساء العرب الذي حاول الأسد وغيره إنهاء وشطب فلسطين من الخارطة السياسية،بحجة أن فلسطين هي جزء من سوريا فكان الردّ من جماهيرنا في الوطن المحتل بالانتفاضة المباركة ضد المحتلين ودعماً لمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، تلك الانتفاضة التي دخلت القاموس الدولي وأصبحت كلمة ترددها وسائل الإعلام في كل العالم.

جعلت الانتفاضة العالم يتحرك لإيجاد حلّ للقضية الفلسطينية فتمّ عقد مؤتمر مدريد، تلاه اتفاق المبادئ في أوسلو ثم العودة إلى الوطن في ظل الاتفاق.

كنت يومها في تونس لحضور دورة المجلس الثوري لحركة فتح والمجلس العسكري الأعلى للثورة لتدارس كيفية العودة إلى الوطن في ظل الاتفاق، وتلك قصة أخرى. وشاء حظي وإصرار قائدي أبو عمار أن اكون ضمن العائدين معه إلى الوطن على نفس الطائرة رغم عدم جهوزيتي لهذا الأمر فانصعت للأمر، إنه الوطن. وإذا بي وجها لوجه أمام المحتل الإسرائيلي في معبر رفح. كان يبدي ابتسامه صفراء على وجهه لم أستطع تفسيرا لها ورحب بي وبغيري من بعدي ومدّ يده للمصافحه بعد إنجاز معاملة الدخول ترددت قليلا وأنا انقل نظري إلى يده الممدودة وعينه المصوبة نحوي وابتسامته إياها! وللمعبر في رفح قصة أخرى! حيث احتجزنا عدة أيام ممنوعين من الدخول إلى رفح وغزة أو العودة إلى المعبر المصري عند موقف باص المعبر عانينا خلالها معاناة كبيرة.

وأخيراً دخلنا رفح وتوجهت إلى حيث مقر الرئيس في غزة وإذ به فندق...!

مقر القيادة العائدة إلى الوطن في فندق تماماً كما كنا في تونس في فندق سلوى لكن اسم الفندق في غزة هو فلسطين.

لم أشعر أنني دخلت وطني.. لم أجد الرغبة لتقبيل تراب وطني كما يفعل الغائب عن وطنه ربما بسبب ابتسامة الإسرائيلي على المعبر واصراره على مصافحتي.. ثم لأنني في فندق وفي الوطن؟! تذكرت كلمة الأخ أبو مازن صاحب الاتفاق عندما قال لنا في آخر جلسة للمجلس الثوري في تونس: الاتفاق أقل من دولة وأكثر من حكم ذاتي.. وفهمنا لتطبيقه وتفسيرنا الفلسطيني لبنوده يساعدنا على تحقيق هدفنا. اما أن نأخذه كله أو نتركه كله Take it or leave it.

وتجربتي في الوطن التي امتدت من العام 1995م وحتى العام 2004م، تحتاج إلى وقفة أخرى حيث عملت نائباً لمساعد القائد العام للقوات ونائبا للمفوض السياسي العام وناطقا باسم القوات في السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي العام 2005م تمت إحالتي على التقاعد بسبب السنّ، لكني لم أتقاعد عن النضال.. فمن خلال عضويتي في المجلس الوطني الفلسطيني أمارس عملي النضالي حتى اللحظة وحتى الرمق الاخير إن شاء الله.

في تونس استطعت إقناع قيادتي بالذهاب إلى الأردن كما قلت بعد خطاب الملك الحسين الإيجابي تجاهنا، لكن العمل في الأردن ليس كالعمل في جيش التحرير في لبنان، حيث الاستخبارات العسكرية الأردنية هي التي تقود الجيش هناك لذلك لم أتمكن من الالتحاق بعملي.. خاصة بعد أن أصدر الأخ أبو عمار، القائد العام قرارا بتعييني نائبا للعميد نهاد نسيبة -رحمة الله- للإشراف على مستشفى جيش التحرير (قوات بدر) في الأردن والمشاغل التابعة له.

لذلك عملت من خلال مكتب الأخ أبو عمار الذي يرأسه المرحوم (أبو منير) نجيب الأحمد يساعدني الأخ إبراهيم برهوم أحد أعمدة مجلة فلسطين الثورة في بيروت، وكنا نراسل إذاعتنا في بغداد من خلال هذا المكتب، إلى أن تم إنشاء مكتب للإعلام الفلسطيني في الأردن ترأسة الأخ نبيل عمرو الذي ما لبث أن عين سفيرا في الاتحاد السوفييتي، حيث تسلمت منه رئاسة مكتب الإعلام حتى العام 1994 عام دخولنا إلى الوطن.

في الفترة التي كان فيها الأخ نبيل يمارس عمله في الإعلام كان أيضا هو مسؤول الإذاعة المركزية التي تبث من بغداد بقيادة المرحوم يوسف القزاز ويساعده عدد من الأخوه المذيعين المقيمين في بغداد أمثال الأخوة: محمود أبو الهيجاء وجمال والدكتور جمال الخطيب وغيرهم، فوجئت باتصال من الأخ أبو أنس (عبد الرزاق اليحيى) ممثل "م.ت. ف" في الأردن يطلبني للذهاب معه إلى بغداد بطلب من الأخ أبو عمار! دون أن يعرف سبب ذلك.

وكان استقبالا حارا من الأخ أبو عمار وكاننا لم نلتق منذ سنين قائلا: "إنت اللي حتنقذ الإذاعة"! والتفت إلى الحاج إسماعيل قائد قواتنا في العراق قائلا: بالإضافة إلى الإذاعة سيكون المفوض السياسي للقوات.. جهز له البدلة العسكرية. علمت عندها أن خلافا جرى مع الأخ نبيل أقاله بسببه من الإذاعة.

أسقط في يدي لأن ذلك يعني وبعد استقراري وأسرتي في عمان أن ابتعد عنهم مرة أخرى خاصة وأن العلاقة مع الأردن في تلك الفترة كانت فاترة، وخشيت أن أمنع من العودة إلى الأردن. حاولت عن طريق الأخ عزام سفيرنا في العراق آنذاك والأخ الطيب عبد الرحيم الذي كان موجودا هناك أن يتوسطا لإنقاذي من هذا المأزق خاصة وأن الأخ أبو عمار يضع كامل ثقته بي (إنت اللي حتنقذ الإذاعة)! وطلبت من الأخ نبيل أن يصالح الأخ أبو عمار ويعود إلى موقعه.

أكثر من ساعدني في ذلك هو الأخ عزام حيث كنت وإياه، وكذلك الأخ نبيل، أعضاء في المجلس الثوري للحركة أي إننا في مرتبة قيادية واحدة، الأمر الذي لا يساعده في التدخل في الإذاعة إذا استلمتها، خاصة وأنني من خارج ملاك الإقليم وهو مسؤول الإقليم.

تصالح الأخ نبيل مع القائد الرمز أبو عمار بضغط من الأخوين عزام والطيب. وزفوا البشرى لى في الوقت الذي أبدى فيه الأخ يحيى رباح الموجود بالأردن ويرغب في تركه أن يستلم هذه المهام.

حاولت الاستئذان بالعودة إلى عمان لكن الأخ أبو عمار تجاهلني ولم يتحدث اليّ طيلة ثلاثة أيام! خاصة وأنه كان قد اتفق مع الأخ القائد أبو جهاد -رحمه الله- أن أستلم الإذاعة بدلا من الأخ نبيل.

الى أن فك أسري وأقنعته أنني بالتعاون من الأخ طاهر العدوان والأخ إبراهيم برهوم سنوافي الإذاعة يوميا بالبرامج والتعليقات من خلال مكتب الإعلام في عمان وقد كان.

وبذلك لم يستمر قرار استلامي لقيادة الإذاعة سوى أيام قليلة، عدت بعدها إلى عمان لممارسة عملي كمسؤول للإعلام هناك.