رافقت الأديب الروائي التشيكي ميلان كونديرا (1 نيسان 1929 – 11 تموز 2023) ثلاث صفات في حياته الطويلة العريضة جعلتني كمتتبع لأعماله الأدبية أراهن على حصوله على جائزة نوبل للآداب، تلك الجائزة المرموقة التي تمنح الفائز بها مبلغاً مالياً كبيرا يربو على المليون دولار، وتهبه شهرة واسعة بين قراء الأدب وعشاقه ودارسيه في العالم، تؤدي إلى ترجمة أعماله الأدبية ومؤلفاته إلى عشرات اللغات وتفتح شبابيك وأبوابا لمنتجي الأفلام السينمائية والتلفزيونية الذين سيُقبلون على رواياته وقصصه وما يرافق ذلك من شهرة ومن مال.


أولى هذه الصفات التي تحلى بها ميلان كونديرا وأهمها كونه روائياً كبيراً كتب العديد من الروايات التي نالت حظاً واسعاً من الشهرة وتصدرت قائمة أكثر الكتب مباعا في دور النشر.
عرف القراء التشيكيون ميلان كونديرا كاتباً موهوباً وهاماً على اثر نشر مجموعته القصصية الأولى "غراميات مضحكة" في عام 1963 إلا أن شهرته صعدت بعد روايته "الضحك والنسيان" التي أدت الى إسقاط الجنسية التشيكوسلوفاكية عنه في عام 1978 وهي مثل معظم أعماله الأدبية تحوي نقداً شديداً ساخراً لنظام الحكم في بلاده وتؤيد ربيع براغ الذي انخرط فيه معاديا للاتحاد السوفييتي منشقاً عن الحزب الشيوعي الذي كان قد انضم إلى صفوفه وهو شاب في الثامنة عشرة من عمره ثم فُصل منه بعد عامين إلا أنه عاد إلى صفوف الحزب بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي وطُرد منه إلى الأبد في عام 1970.


كان ميلان كونديرا شخصية بارزة جداً من مجموعة الأدباء والمفكرين المعارضين للنظام الشيوعي والمنشقين عن الحزب ولعب مع صديقه الأديب فاتسلاف هافل دوراً إعلاميا كبيراً ضد النظام في بلاده.
عرف العالم الغربي ميلان كونديرا أديباً منشقاً عن النظام الشيوعي وبرز ذلك بعد صدور روايته الشهيرة "كائن لا تُحتمل خفته" التي تدور حول فكرة العود الأبدي للفيلسوف نيتشة، هذه الرواية التي كانت بطاقة دخوله الى العالمية وتبعها بروايات قصيرة أخرى مثل "الهوية" التي اعتبرها النقاد أعجب كتبه فقد كتب ميشيل كريبو "اذا كان على كونديرا أن يضع لوحة مذهبة على باب مكتبه لأمكننا أن نقرأ ما يلي: دكتور كونديرا خبيراً في اللغز البشري، فنحن أمام كاتب ساحر يعتمد على الخيال ويترك قارئه مذهولاً مبهوراً لكونه وقع في شَرَك حرية الروائي الشيطانية.


هجر ميلان كونديرا لغة أمه، اللغة التشيكية عندما حصل على الجنسية الفرنسية في عام 1981 بعدما هاجر للعيش في فرنسا وصار يكتب في اللغة الفرنسية فساعده هذه التفرنس على الشهرة فاللغة الفرنسية لغة عالمية واسعة الانتشار.
اعتقدت لسنوات خلونَ أن هذه الصفات الثلاث: الأديب الروائي الكبير فالأديب المنشق عن الحزبي الشيوعي والمعادي للاتحاد السوفييتي فالأديب الذي استبدل لغة أمه باللغة الفرنسية تؤهل ميلان كونديرا لنيل جائزة نوبل للآداب التي تتضوع السياسة من ثناياها ولكن كونديرا حمل ثلاثة وتسعين حولاً صاخباً من عمره وغادر الدنيا إلى الآخرة على ظهر العود الأبدي حيث كل حركة تحمل ثقة مسؤولية لا تُطاق مما جعل نيتشه يكتب أن فكرة العود الأدبي هي الحمل الأكثر ثقلاً، وإذا كان العود الأبدي هو الحمل الأثقل يمكن لحيواتنا عندئذ أن تظهر بكل خفتها الرائعة، لكن هل الثقل فظيع، وجميلة هي الخفة؟!


فكرة يكتنفها الغموض.
وسواء لم نتفق مع آراء كونديرا السياسية ومعارضته الشديدة للنظام الشيوعي وعدائه للاتحاد السوفييتي او اتفقنا معها فهو أديب كبير وكاتب شجاع وروائي ساحر وفيلسوف وكائن لا تُحتمل خفته.