تحقيق/ امل خليفة – رام الله فلسطين-

أصدرت السلطة الوطنية في عام 2005 قرارا بمقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية بمصادقة من المجلس التشريعي الفلسطيني، وكانت الظروف السياسية التي مرت بها فلسطين من حصار وتعطيل للمجلس التشريعي والانقلاب السياسي لحركة "حماس" في غزة عطل تنفيذ هذا القرار. ومع نهاية العام 2009 تم إعادة تفعيل القانون من جديد من قبل وزارة الاقتصاد ليصادق عليه مجلس الوزراء ومن ثم اعتماده من  قبل الرئيس أبو مازن. وفي ظل انعدام الأفق السياسي وتعثر المفاوضات وحالة الشلل التي أصابت القدرة الفلسطينية نتيجة الانقسام، ووصول فصائل العمل الوطني الفلسطيني إلى حائط مسدود امام المسيرة السلمية، كان لا بد من التركيز على موضوع وقف الاستيطان الذي يلقى تأييداً كبيراً على المستوى الدولي الاقليمي، وترجمة جهوزية المزاج الشعبي لمحاربة الاستيطان الإسرائيلي بمقاطعة منتجات المستوطنات.

دعم الإنتاج الفلسطيني بمقابل الإسرائيلي
تؤكد ميساء اليونس دعمها القرار الفلسطيني بمقاطعة منتجات المستوطنات وحتى الاسرائيلية والسبب الأساس لمقاطعتها لمنتجات المستوطنات هو رفض دعم الاقتصاد الإسرائيلي وخصوصا المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية والتي تخنق المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية و"لأن قرش على قرش يعني الملايين من الدولارات التي تذهب إلى المستوطنات، وأعتقد أن لو كل مواطن فلسطيني يفكر بهذه الطريقة ستتحول بالتالي الملايين لدعم الاقتصاد الفلسطيني وليس إلى المستوطنات التي تبتلع الأرض الفلسطينية وتدمر الاقتصاد الفلسطيني"، مستدركة "صحيح أن بعض المنتجات الفلسطينية ليست بقدر الجودة المطلوبة  إلاّ أن الاقتصاد الفلسطيني الفتي يمكن الاعتماد بشكل شبه كلي عليه وأصبحت منتجاتنا الوطنية تضاهي المنتج الإسرائيلي الذي أسس منذ أكثر من ستين سنة". واقترحت اعتماد البديل العربي اذا لم يتوافر المنتج الوطني أو شراء المنتج الأوروبي، أي أنه بالإمكان التخلي والاستغناء عن المنتج الإسرائيلي وخصوصا إنتاج المستوطنات".
وتشرح المواطنة نادية حماد البضائع الإسرائيلية وخصوصا المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية، لأن في غير ذلك دعم مباشر للاقتصاد الإسرائيلي وعلى حساب الاقتصاد الفلسطيني الفتي مقارنة مع الاقتصاد الإسرائيلي المقام منذ فترة طويلة والمدعوم من الغرب. كذلك شراء المنتوجات من المستوطنات يعني  بنظرها دعم المصانع في المستوطنات وبالتالي دعم للمستوطنين وإعطائهم الفرصة للبقاء والاستمرار أكثر، و"الكل يعرف ما يفعله قطعان المستوطنين بالمواطن الفلسطيني وبالأرض من حرق للمزروعات وإتلاف لأشجار الزيتون وقطع للطرق وغيرها من الممارسات الهمجية، فكيف يمكن بالمقابل دعمهم وشراء بضائعهم". وبالعكس شراء المنتج الوطني يعني دعم التاجر والعامل الفلسطيني وإعطاء دفعة لاقتصادنا للنمو، ولإنتاجنا للتطور وتحسين نوعيته، فهناك منتجات فلسطينية ليست بالجودة المطلوبة ولكن هذا لا يعني مقاطعتها أو العزوف عنها وإنما يجب مساندة المنتج الفلسطيني حتى يتحسن ويصل إلى الجودة المطلوبة. ورأت أنه من واجب السلطة الفلسطينية ممثلة في وزارة الاقتصاد الوطني ووزارة الصحة مراقبة الإنتاج الفلسطيني وإعطائه الفرصة للمنافسة والتطور، فالمستهلك يلجأ إلى المنتج الإسرائيلي لأن جودته عالية، فإذا كانت المقاطعة أشمل وأخذت مدى أكبر "أعتقد أن ذلك سيؤثر على اليهود أكثر وأكثر، وهذا العمل لا يحتاج إلى قتال ولا إلى قرار رسمي بل يحتاج إلى التزام وحس وطني والى توعية أو بالنسبة لي أنا أشتري أغلب المشتريات البيتية من المنتج الفلسطيني بالدرجة الأولى ثم العربي أو الأوروبي وأخيرا الإسرائيلي اذا لم أجد أي بديل آخر عنه".
مقاطعة بضاعة المستوطنات هو عمل وطني أولا وهو من أهم ركائز دعم الاقتصاد الفلسطيني وتقوية للمؤسسات الوطنية الفلسطينية، وهي أيضا سلاح مهم جدا لمقاومة الاحتلال ومقاومة الاستيطان، وكما هو معلوم أن السوق الفلسطيني من أهم الأسواق المنافسة للاقتصاد الإسرائيلي سواء من داخل "إسرائيل" أو المستوطنات التي تسوِّق بضاعتها بكل سهولة وأحيانا كثيرة بدون رقابة من أحد، بحيث تغلب على بعض التجار تحقيق الربح السريع والكبير دون النظر للأثر السلبي الذي تتركه على المستوى الاقتصادي، وحتى الصحي فلا "أحد يعلم ماذا يصنع المستوطنون من بضائع وماذا يستخدمون من مواد أولية تدخل في صناعاتهم ومنتجاتهم، بحسب النائب المالي والإداري لمدير التربية والتعليم فؤاد أبو ثابت تابع "هناك بعض المنتجات التي تصنع خصيصا للاستهلاك الفلسطيني ويتم إنتاجها فقط في المستوطنات لتصدر للسوق الفلسطيني، ويجب مقاطعة هذه البضائع إذ بدأت. ووسائل الإعلام المحلية في الفترة الحالية التركيز على هذا الموضوع، حتى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية أخذت تتحدث عن الأثر السلبي الذي قد يتعرض له الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة عزوف السلطة الوطنية الفلسطينية عن الاستيراد من المستوطنات.

بضائع المستوطنات والمدارس الفلسطينية
وفي سياق آخر، اكد ابو ثابت أن وزارة التربية والتعليم تسهل العمل للتاجر الفلسطيني بالدخول إلى المدارس، ودعم التحول الكامل والاعتماد الكلي على المنتوج الوطني ومنع  بيع أي بضاعة تنتج في المستوطنات من دخول المدارس الفلسطينية، شارحاً "تخيلوا أن ما يزيد عن المليون طالب وطالبة يشترون بشكل يومي من المقصف المدرسي وخلال العام الدراسي فقط من البضائع الوطنية... ونحن نوجه أبناءنا لدعم المنتج الوطني ونسمح بدخول أصحاب المصانع مباشرة للمدارس ودون الحاجة لوسيط أو تاجر بشرط توافر الشروط الصحية والمعايير التي تتطابق مع توجهات وزارتي التربية والصحة". في الوقت الحالي أصبح بالإمكان الاعتماد على المنتج الوطني الذي بات يضاهي في بعض الأحيان المنتج الإسرائيلي وكذلك العربي، كون الاقتصاد الفلسطيني جيداً وقوياً وقادراً على المنافسة.
وفي تصريحات صحفية أعرب أصحاب المصانع في المستوطنات عن قلقهم ازاء مقاطعة بضائعهم، وطالبوا بالعمل لإعاقة المقاطعة ومنع التجار الفلسطينيين من دخول إسرائيل لتسويق بضائعهم. اشارة، إلى أن هناك عشر مناطق صناعية استيطانية في الضفة الغربية وعشر مناطق صناعية صغيرة أخرى داخل المستوطنات، هذه المناطق الصناعية في المستوطنات هي النقطة الأضعف كونها تشكل مصدر دخل للسلطات المحلية في المستوطنات من ضرائب العقارات، ومن شأن المس بهذه المناطق الصناعية تشكيل ضربة قاتلة لقسم كبير من السلطات المحلية الاستيطانية.
ويعلِّق - منسق وسكرتير المجلس الفلسطيني لحماية المستهلك عبد الغني سلامة ان هذه الأرضية أعطت المجال للتحرك ضد بضائع المستوطنات بشكل كبير، كما أن الموضوع مزعج جداّ بالنسبة الى دولة الاحتلال، فحجم التبادل التجاري مع المستوطنات يفوق نصف المليار دولار أمريكي سنويا، وكذلك كون المشروع الإسرائيلي يرتكز على الاستيطان بشكل كبير والحكومة الإسرائيلية الحالية ترتكز بشكل واضح على مضاعفة العمل الاستيطاني لكسب الأرض والوقت قبل الوصول إلى لحظة دفع الاستحقاقات التي لا مفر منها.

عقبات أمام مقاطعة البضائع الإسرائيلية
إلاّ أن تطبيق قرار مقاطعة المستوطنات يواجه عقبات عدة بحسب سلامة كضعف الإمكانيات الفلسطينية من طواقم التفتيش والمتابعة ووجود آليات خاصة لإتلاف البضائع، وضعف الدعم اللوجستي اللازم، وغيرها. كل الإمكانيات المتاحة هي أقل من الطموح الذي نسعى من خلاله لتكون نهاية العام 2010 عاماً لسوق فلسطيني خالٍ ونظيف تماما من منتجات المستوطنات الإسرائيلية، كما أن هناك عدداً من كبار التجار الفلسطينيين يعتمدون على بضائع المستوطنات في تجارتهم، لأن الأخيرة معفية من الضرائب الإسرائيلية ومن الرقابة، وهذا يعني لهم تكلفة أقل وربح أكبر. بالإضافة الى قرب المسافة بين المستوطنات المنتشرة في كل مكان في الضفة الغربية وبين المستوردين لها من الجانب الفلسطيني. ويضع سلامة أنه "ليس من السهل أن يطبق القرار بين ليلة وضحاها ولكن نأمل مع نهاية العام الحالي أن يتم التخلص من هذه البضائع والاعتماد الكلي على المنتج المحلي". لذلك "نعمل على تجنيد كافة الفئات الشعبية أكثر من خلال التوعية وإثارة البعد الوطني للموضوع  ليكون الموضوع معركة للشعب وليس واجب الطاقم الفني لوزارة الاقتصاد الوطني أو الضابطة الجمركية أو الجهات الرقابية الأخرى فقط"،  مشيراً فإذا أصبحت المقاطعة قناعة لدى المواطن الفلسطيني الذي لا يعلم أحيانا الفرق بين المنتج الإسرائيلي والمنتج الصادر من المستوطنات، نكون قد أنجزنا الجزء الأكبر من المهمة والجزء الآخر يعتمد على المزوِّد والتاجر الفلسطيني الذي يعلم مصدر البضائع ولا بد من امتناعهم عن استيراد البضائع المصنعة في المستوطنات.

ما بين الرغبة في المقاطعة والقدرة الفعلية للتطبيق
ويكمل سلامة انه من الناحية النظرية الكل يدعم ويؤيد المقاطعة، ولكن في الواقع هناك فئة من الشعب مازال لديها قناعة بأن المنتج الأجنبي والإسرائيلي أفضل، وأحيانا لا يجد المواطن البديل المحلي وان وجد لا يكون ذا جودة عالية، ولكن اذا أردنا هزم العدو فلا بد من التضحية لحين تقوية الاقتصاد الوطني الفلسطيني ونصل إلى الوقت الذي نعتمد فيه بالكامل على منتجاتنا الوطنية.  يرى "أننا قطعنا شوطا طويلا في هذا السياق ونحن كوزارة اقتصاد نعمل وفق خطة وطنية لإيجاد البدائل المحلية، إذ تم إنشاء وحدة خاصة لتمكين المنتج المحلي ولرفع كفاءة وجودة المنتج المحلي وعندها سيكون من السهل الاستغناء عن المنتج الإسرائيلي ككل وليس المستوطنات فقط. وسيكون العائد الكلي للمصانع الفلسطينية ما يعطي الفرصة أكثر لنمو وتطور هذه المصانع وزيادة الساعات التشغيلية لها واستيعاب عدد أكبر من العمال فيها بدلاً من الاعتماد على العمل في المستوطنات التي تعتمد هي الأخرى على تشغيل العمال الفلسطينيين، فالموضوع يحتاج إلى الوقت الكافي والى تضافر جميع الجهود على المستوى الشعبي والرسمي.