مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، يبرز سؤال سياسي وأمني يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية التقليدية، هل يمكن أن يتحول التصعيد الداخلي والخارجي إلى أداة انتخابية في يد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟وهذا السؤال لا يعني بالضرورة أن كل حرب أو أزمة يشهدها الإقليم تنطلق من حسابات انتخابية لكنه يفتح الباب أمام قراءة سلوك نتنياهو وخطابه السياسي في مرحلة شديدة الحساسية خصوصا أن الانتخابات تأتي في ظل حروب وتوترات إقليمية وفي وقت يواجه فيه نتنياهو ضغوطا سياسية وقضائية متواصلة.
ويدرك نتنياهو أن الأمن يحتل موقعاً مركزياً في وعي الناخب الإسرائيلي وأن الأزمات الأمنية والتهديدات الإقليمية يمكن أن تدفع القضايا الأمنية إلى مقدمة الأولويات الانتخابية، لذلك يحرص في خطابه السياسي على ترسيخ صورته بوصفه قائداً قادراً على مواجهة المخاطر وحماية إسرائيل وهي ورقة سياسية تكتسب أهمية أكبر مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية.
ويمكن قراءة تحركات نتنياهو من خلال مسارين متوازيين، المسار الأول يتمثل في إبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة تعبئة أمنية وسياسية فكلما ارتفعت حدة الخلافات الداخلية وتصاعدت ملفات الأمن والاستيطان والضفة الغربية والقدس أصبح النقاش العام أكثر ارتباطاً بمفهوم الخطر والتهديد الوجودي، وفي مثل هذه البيئة قد تتراجع ولو مؤقتاً الملفات السياسية والقضائية لصالح القضايا الأمنية ويتحول السؤال، من ماذا فعلت الحكومة؟ إلى من يستطيع حماية إسرائيل ومواجهة المخاطر؟
أما المسار الثاني فيتمثل في توسيع دائرة التهديدات الخارجية في الخطاب السياسي، فإيران ولبنان وغزة والضفة الغربية، إلى جانب التوترات مع أطراف إقليمية أخرى يمكن أن تتحول إلى عناوين أمنية حاضرة بقوة في المعركة الانتخابية، وقد ظهر ذلك في خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث جمع بين الدفاع عن سياسات حكومته، والهجوم على خصومه السياسيين وانتقاداته الدولية، والتحذير من تهديدات إقليمية ودولية وذلك قبل أسابيع من الانتخابات.
لكن السؤال، هل يستطيع نتنياهو إشعال حرب متى أراد؟ فالحروب تخضع لحسابات عسكرية وإقليمية ودولية معقدة ولا يمكن اختزالها بقرار انتخابي منفرد السؤال الأهم، هل يستطيع نتنياهو استثمار أي تصعيد قائم أو محتمل لتعزيز موقعه السياسي؟ الجواب نعم فنتنياهو اذا خاض الانتخابات في بيئة أمنية مضطربة فإنه يستطيع توظيف الأزمة في خطابه الانتخابي وتقديم نفسه باعتباره الأقدر على إدارة المخاطر في مقابل تصوير خصومه السياسيين على أنهم أقل قدرة على التعامل مع التهديدات الأمنية، وهذا لا يعني بالضرورة أن التصعيد صنع من أجل الانتخابات لكنه يعني أن الأزمة القائمة يمكن أن تصبح جزءاً من الحسابات السياسية والانتخابية.
ومن هنا قد تكون المعركة الأساسية لنتنياهو في الانتخابات المقبلة مرتبطة إلى جانب الاقتصاد والخدمات والملفات الاجتماعية، بالأمن والقدرة على إدارة المخاطر في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب وقد أظهر خطابه الأخير في الأمم المتحدة بوضوح حجم التركيز على إيران وغزة ولبنان والتهديدات الإقليمية إلى جانب مهاجمة عدد من منتقديه الدوليين، غير أن استمرار ربط السياسة بالأمن والتصعيد يحمل مخاطر تتجاوز حدود الانتخابات، فإذا تحولت الحرب إلى وسيلة دائمة لإدارة الخلافات السياسية فإن المنطقة بأكملها ستدفع ثمن ذلك لأن أي تصعيد جديد قد يفتح مسارات يصعب التحكم بها وقد ينتقل من مجرد ضغط سياسي أو انتخابي إلى مواجهة إقليمية أوسع، لذلك فإن استخدام الملفات الأمنية في الحملات الانتخابية ليس مجرد مسألة تتعلق بنتنياهو وحده بل يرتبط بطبيعة النظام السياسي الإسرائيلي وبمدى حضور الأمن في خيارات الناخبين.
ومع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية سيبقى السؤال مفتوحاً حول حدود توظيف الأزمات والتهديدات في المنافسة السياسية وما إذا كان التصعيد سيبقى في إطار الخطاب الانتخابي أم يتطور إلى خطوات ميدانية تحمل تداعيات تتجاوز صناديق الاقتراع، وفي كل الأحوال فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحسابات الانتخابية إلى عامل يدفع نحو تصعيد عسكري جديد لأن ما يبدأ كحساب سياسي قد ينتهي بمواجهة إقليمية واسعة وعندها لن تكون نتائج الانتخابات وحدها هي القضية بل ستكون المنطقة بأكملها أمام تداعيات يصعب التنبؤ بحدودها .