وقعت في 8 كانون الأول/ديسمبر 1987 حادثة عُرفت باسم «حادثة جباليا» أو «حادثة المقطورة»، وكانت الشرارة التي فجّرت الانتفاضة الفلسطينية الأولى «انتفاضة الحجارة». وقعت الحادثة عند حاجز بيت حانون/إيرز، حيث اصطدمت شاحنة إسرائيلية بسيارة تقل عددًا من العمال الفلسطينيين، ما أدى إلى استشهاد أربعة منهم، وهم: طالب أبو زيد (46 عامًا) من المغازي، وعصام حمودة (29 عامًا) من جباليا البلد، وشعبان نبهان (26 عامًا) من جباليا البلد، وعلي إسماعيل (25 عامًا) من المغازي.

واعتبر الفلسطينيون الحادثة عملًا متعمدًا بهدف القتل، ما أثار حالة واسعة من الغضب في الشارع الفلسطيني، ولا سيما أن الحادثة جاءت في ظل سلسلة من الاستفزازات الإسرائيلية التي استهدفت كرامة الشباب الفلسطيني، خاصة طلاب الجامعات، الذين كانوا في حالة من الاستنفار والمواجهة شبه اليومية مع قوات الاحتلال.

وفي صباح 9 كانون الأول/ديسمبر 1987، عمّ الغضب مخيم جباليا، وانطلقت المظاهرات العفوية الغاضبة، التي تحولت إلى مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال، وأدت إلى استشهاد الشاب حاتم السيسي، ليكون أول شهيد في الانتفاضة.

ومن مخيم جباليا إلى مخيم بلاطة ونابلس، امتدت الانتفاضة واتسعت رقعتها، فاستشهد في 10 كانون الأول/ديسمبر 1987 الفتى إبراهيم العكليك (17 عامًا)، ولحق به في 11 و12 كانون الأول/ديسمبر الشابة سهيلة الكعبي (19 عامًا)، والفتى علي مساعد (12 عامًا) من مخيم بلاطة. ثم اتسعت الانتفاضة، واشتعلت وازدادت قوة، وسقط خلالها مئات الشهداء وعشرات آلاف الجرحى والأسرى.

واستمرت الانتفاضة سبع سنوات (1987–1994)، لتصبح حالة شعبية شاملة امتدت إلى كل بيت وعائلة وقلم ومنبر وجدار وشارع وحارة وحي ومدينة ومخيم وقرية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة وأراضي عام 1948، كما عبّرت عنها الأغنية الثورية: «في كل قرية وبيت وحارة، انتفاضتنا تظل دوّارة».

وتشير معطيات مؤسسة رعاية أسر الشهداء والأسرى إلى استشهاد 1550 فلسطينيًا خلال الانتفاضة، واعتقال ما بين 100 و200 ألف فلسطيني خلالها، كما تشير معطيات مؤسسة الجريح الفلسطيني إلى أن عدد جرحى الانتفاضة يزيد على 70 ألف جريح، يعاني نحو 40% منهم من إعاقات دائمة، فيما يعاني 65% منهم من شلل دماغي أو نصفي أو علوي أو شلل في أحد الأطراف، بما في ذلك بتر أو قطع لأطراف مهمة.

كما كشفت إحصائية أعدتها مؤسسة التضامن الدولي أن 40 فلسطينيًا استشهدوا خلال الانتفاضة داخل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، بعد أن استخدم المحققون معهم، وفق المؤسسة، أساليب التنكيل والتعذيب لانتزاع الاعترافات.

وكان مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة «بتسيلم» قد أصدر في الذكرى العاشرة للانتفاضة إحصائية بهذا الخصوص، أشار فيها إلى مقتل 256 مستوطنًا إسرائيليًا و127 عسكريًا من قوات الاحتلال، وترحيل 481 فلسطينيًا من الأراضي المحتلة، وتعذيب عشرات الآلاف من الفلسطينيين خلال استجوابهم، وإصدار 18 ألف أمر اعتقال إداري بحق فلسطينيين.

كما أشار إلى هدم 447 منزلًا فلسطينيًا، على الأقل، هدمًا كاملًا كعقوبة، وإغلاق 294 منزلًا، على الأقل، إغلاقًا تامًا كعقاب، وهدم 81 منزلًا فلسطينيًا، على الأقل، هدمًا كاملًا خلال قيام جنود الاحتلال الإسرائيلي بعمليات البحث عن المطلوبين، إضافة إلى هدم 1800 منزل فلسطيني، على الأقل، بحجة قيام أصحابها بالبناء من دون ترخيص.

وشكلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي استمرت سبع سنوات، محطة بارزة في تاريخ النضال الفلسطيني، وامتدت مظاهرها الشعبية إلى مختلف مناطق فلسطين، قبل أن تنتهي في سياق التحولات السياسية التي شهدتها القضية الفلسطينية مطلع تسعينيات القرن الماضي.