في السابع من شباط/فبراير 1939، افتُتح «مؤتمر المائدة المستديرة» في قصر سانت جيمس بالعاصمة البريطانية لندن، لبحث القضية الفلسطينية، بمشاركة مندوبي مصر والعراق وشرق الأردن والسعودية واليمن، إلى جانب المندوبين البريطانيين. ورفض المندوبون العرب الجلوس مع مندوبي الوكالة اليهودية لفلسطين.

وضم الوفد العراقي رئيس الوزراء نوري السعيد، بينما مثّل مصر الأمير محمد عبد المنعم، وعلي ماهر باشا، وعبد الرحمن عزام باشا، وسفير مصر في لندن حسن نشأت باشا، ومثّل السعودية الأمير فيصل بن عبد العزيز، وشرق الأردن رئيس الوزراء توفيق أبو الهدى، فيما مثّل فلسطين جمال الحسيني، إلى جانب عدد من القيادات الفلسطينية.

وجاء انعقاد المؤتمر في أعقاب تطورات متسارعة في فلسطين؛ فعلى إثر احتلال الثوار للمدينة القديمة في القدس خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 1938، أعادت السلطات فرض الحكم العسكري في البلاد. وفي الشهر التالي، ألغت الحكومة البريطانية مشروع بيل للتقسيم باعتباره مشروعًا غير عملي، وأبدت رغبتها في التوصل إلى حل للقضية من خلال مؤتمر يضم الزعماء العرب واليهود، بمشاركة الدول العربية المستقلة.

واتفق زعماء فلسطين على أن يقدم الوفد العربي الفلسطيني المطالب الواردة في الميثاق الوطني، بما في ذلك المطالبة بإقامة دولة عربية، باعتبار أن العرب كانوا يشكلون ثلثي سكان البلاد، مع التأكيد على ألا يجلس العرب والصهاينة معًا. وعلى هذا الأساس، افتتح رئيس الوزراء البريطاني المفاوضات بالاجتماع مع الوفود العربية صباح السابع من شباط/فبراير، ثم عقد اجتماعًا مع الوفد الصهيوني بعد ظهر اليوم نفسه.

ومع تقدم مداولات المؤتمر، أصبح واضحًا تعذر الوصول إلى اتفاق؛ فالعرب، باعتبارهم الأكثرية، كانوا يطالبون بالاستقلال، بينما كان اليهود يعارضون إقامة دولة مستقلة ما داموا يشكلون أقلية. وأدى ذلك إلى تمهيد الطريق أمام الحكومة البريطانية لكي تعلن بصورة منفردة الحل الذي ترتئيه للقضية الفلسطينية.

وانتهى المؤتمر بالفشل في التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية. ونظرًا إلى تدهور الأوضاع في أوروبا بسبب السياسة الألمانية التوسعية، قرر مجلس الوزراء البريطاني اتخاذ الإجراءات اللازمة لاحتواء الثورة العربية في فلسطين، والعمل على إقناع العرب بالتفاهم مع بريطانيا.

وعلى إثر ذلك، أصدرت الحكومة البريطانية «بيان مكدونالد»، الذي عُرف باسم «الكتاب الأبيض»، وأعلنت فيه أن غايتها هي أن تقام «في النهاية» دولة فلسطينية مستقلة، يقتسم فيها شعبا فلسطين، العرب واليهود، السلطة الحكومية على نحو يصون المصالح الحيوية لكليهما، وأن تقام خلال عشر سنوات دولة فلسطينية مستقلة ترتبط ببريطانيا بمعاهدة تصون، على نحو مرضٍ، جميع المصالح التجارية والاستراتيجية لكلا البلدين.

كما أعلنت الحكومة أن الفترة الانتقالية من حكم الانتداب ستُخصص لتنمية الحكم الذاتي، وأن الهجرة اليهودية خلال الأعوام الخمسة التالية ستبلغ 75 ألف نسمة، على أن تُحظر الهجرة بعد ذلك إلا بموافقة العرب. وفي بعض مناطق فلسطين، حُظر بيع الأراضي العربية، في حين كان البيع في مناطق أخرى خاضعًا للقيود.

واستقبل الصهيونيون الكتاب الأبيض بالاستياء والعداء، وتعاهدوا على مقاومته حتى النهاية، فقويت الدعوة في صفوفهم إلى التطرف والعنف، وبدأوا يتجهون إلى الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها حامية لمخططاتهم الرامية إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين.

أما العرب، فلم يستقبلوا الكتاب الأبيض بالرضى بدورهم؛ إذ رفض زعماء الثوار السياسة البريطانية، لأنها لم تعدهم بالعفو، ولم تُظهر ميلًا إلى المصالحة مع المفتي. ومع ذلك، رحبت اللجنة العربية العليا باعتراف بريطانيا بحقوق العرب من حيث المبدأ، لكنها أعربت عن أسفها لتخلف بريطانيا عن منح الفلسطينيين استقلالهم، الذي وصفته بأنه «أقدس حقوق الشعوب وأثمن مطامحها».

واختتمت اللجنة بيانها برفض الكتاب الأبيض، لكونه لا يحقق مطالب العرب، التي تتلخص في أن «تظفر فلسطين باستقلالها ضمن اتحاد فيدرالي عربي وتبقى عربية إلى الأبد».