يستدعي المشهد السياسي الحالي في دولة الاحتلال الإسرائيلي ضرورة إجراء قراءات تحليلية معمّقة، لتفكيك سيناريوهات انتخابات الكنيست المرتقبة، واستشراف ارتداداتها المباشرة على الجغرافيا الفلسطينية، ولا سيما في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
وتكشف القراءة المتأنية للخارطة الحزبية الإسرائيلية أنها تتأرجح بين أربعة مسارات أساسية، تختلف في أدواتها التنفيذية وأساليبها السياسية، لكنها تتقاطع في أهدافها الاستراتيجية العليا تجاه الصراع والقضية الفلسطينية.
السيناريو الأول: حكومة يمين متطرف بقيادة نتنياهو
تُعد عودة بنيامين نتنياهو على رأس حكومة يمينية متطرفة، ونجاحه بالتنسيق مع أحزاب اليمين القومي والديني المتطرف في انتزاع أغلبية برلمانية من 61 مقعدًا أو أكثر، السيناريو الأشد وطأة على الفلسطينيين.
فمثل هذه الحكومة ستعني المضي في خيار الضم الشامل لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتصاعد السياسات الهادفة إلى تصفية الوجود الفلسطيني في قطاع غزة والقدس، إلى جانب استمرار حرب الإبادة في غزة، وتصاعد وتيرة الاستيطان والاعتداءات في الضفة الغربية، وتسريع عمليات تهويد القدس واستهداف المقدسات.
السيناريو الثاني: فوز المعارضة وتشكيل حكومة «بديل أمني»
يتمثل هذا السيناريو في نجاح معسكر المعارضة، مثل غادي آيزنكوت وحلفائه، في تشكيل ائتلاف حكومي، أو قيام حكومة أقلية تحظى بدعم خارجي من القوائم العربية بهدف منع اليمين من العودة إلى الحكم.
ومن شأن هذا السيناريو أن يُحدث تغييرًا في الأسلوب السياسي والخطاب الإسرائيلي، ليبدو أكثر اعتدالًا واستجابة للمطالب الأمريكية والضغوط الدولية. ومع ذلك، فإن هذا التحول لن يؤدي تلقائيًا إلى انفراج حقيقي في جوهر القضية الفلسطينية، إذ ستبقى مثل هذه الحكومة متمسكة بالعقيدة الأمنية المتشددة، وسياسات الفصل والتوسع، ورفض حل الدولتين.
السيناريو الثالث: حكومة وحدة وطنية – ائتلاف موسع
قد يفرض غياب الحسم الانتخابي، وعجز أي من المعسكرين عن تحقيق أغلبية برلمانية واضحة، تشكيل حكومة وحدة وطنية أو ائتلاف موسع يضم الليكود وأطرافًا من المعارضة.
وفي هذه الحالة، يُرجح تجميد أي مسارات سياسية كبرى، مع تركيز الحكومة على الخطوط العريضة لما يمكن تسميته بـ«الإجماع الصهيوني»، الذي يمنح الأمن الأولوية القصوى على حساب السلام والحلول السياسية.
وسيؤدي ذلك عمليًا إلى استمرار إدارة الصراع بالأدوات الأمنية والعسكرية، وقمع التطلعات السياسية الفلسطينية، من دون التوجه نحو تسوية سياسية حقيقية تفضي إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق السيادة الفلسطينية.
السيناريو الرابع: أزمة ائتلافية والذهاب إلى انتخابات جديدة
يتمثل السيناريو الأخير في فشل الأطراف الإسرائيلية في الوصول إلى أغلبية الـ61 مقعدًا، والعجز عن تشكيل حكومة مستقرة، ما قد يقود إلى جولة انتخابية جديدة، مع بقاء نتنياهو رئيسًا لحكومة انتقالية إلى حين إعادة الاقتراع.
ومن شأن استمرار الأزمة السياسية الداخلية أن يمدد حالة الاستباحة العسكرية، مع احتمالية توظيف القيادة الإسرائيلية للتصعيد الميداني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى مختلف الجبهات، لخدمة الدعاية الانتخابية الداخلية ومحاولة استقطاب أصوات اليمين.
رؤية تحليلية
في القراءة التحليلية المعمقة، يتضح أن صناديق الاقتراع الإسرائيلية تعيد، في معظم الأحيان، تدوير ما يمكن وصفه بـ«الإجماع الأمني المشترك». فالخلاف بين المعسكرات الإسرائيلية المتنافسة لا يمس في جوهره مسألة الاحتلال، ولا يصل إلى حد الإقرار الكامل بالسيادة والحقوق الوطنية الفلسطينية، وإنما يتركز بصورة أساسية على الأدوات والتكتيكات وطبيعة الخطاب السياسي والدبلوماسي الموجّه إلى الخارج.
وبالتالي، فإن اختلاف نتائج الانتخابات قد يؤدي إلى تغييرات في الأسلوب، ودرجة التصعيد، وآليات إدارة الصراع، لكنه لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في المقاربة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية.
وأمام هذه السيناريوهات وما تحمله من تحديات ومخاطر على القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، يبقى السؤال الأهم الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار الفلسطيني والعربي:
هل نحن جاهزون، وطنيًا وعربيًا، لمواجهة هذه السيناريوهات والتحديات والتعامل مع تداعياتها؟
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها