مؤتمر لندن 1946–1947
خلال الحرب العالمية الثانية، اشتد الصراع العربي–الصهيوني حول مستقبل فلسطين، وبذل كل طرف جهوده السياسية لتغليب وجهة نظره.
طالب العرب، ممثلين بحكوماتهم وهيئاتهم، بريطانيا بالوفاء بوعودها الواردة في الكتاب الأبيض لعام 1939، الذي أكد وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين والسير نحو إنشاء دولة فلسطينية مستقلة.
في المقابل، بذل الصهيونيون جهودًا لإقناع بريطانيا بإلغاء الكتاب الأبيض وفتح أبواب الهجرة أمام اليهود الراغبين في الاستيطان في فلسطين، تمهيدًا لإنشاء دولة يهودية فيها. وامتد النشاط الصهيوني إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تمكن الزعماء الصهيونيون وأنصارهم من الوصول إلى الرئيس هاري ترومان، الذي أيد مطالبهم، ولا سيما مطلب السماح الفوري بدخول اليهود إلى فلسطين.
وتحت النفوذ الأمريكي، وافقت بريطانيا على تأليف لجنة التحقيق الأمريكية–البريطانية، رغم المعارضة العربية لها. وجاء تقرير اللجنة متحيزًا لمصلحة المطالب الصهيونية، إذ أوصى بالسماح بدخول مئة ألف يهودي إلى فلسطين فورًا، وفتح باب الهجرة إليها وتسهيلها، وعدم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، وإبقاء فلسطين تحت الوصاية مدة طويلة.
احتج العرب بشدة على نتائج التقرير، وطالبوا بريطانيا بالوفاء بوعودها وبدء المفاوضات بشأن تنفيذها.
ولامتصاص النقمة العربية، قررت بريطانيا دعوة العرب واليهود إلى مؤتمر في لندن.
الدورة الأولى
انعقد مؤتمر لندن في دورتين؛ استمرت الأولى من 10 أيلول/سبتمبر 1946 إلى 2 تشرين الأول/أكتوبر 1946، والثانية من 26 كانون الثاني/يناير 1947 إلى أواسط شباط/فبراير من العام نفسه.
جاءت الدورة الأولى في شكل اجتماعات منفصلة بين العرب والبريطانيين، وبين اليهود والبريطانيين، بعدما رفض العرب عقد مؤتمر ثلاثي يجمع العرب والبريطانيين واليهود.
ومثّل العرب وفود من دول جامعة الدول العربية: سورية ولبنان ومصر والعراق والأردن والسعودية واليمن، فيما لم توجه دعوة إلى الهيئة العربية العليا لفلسطين، وبالتالي لم تكن فلسطين ممثلة بصورة مباشرة في المؤتمر. أما الجانب اليهودي فمثلته الوكالة اليهودية.
افتتح رئيس الوزراء البريطاني كليمنت أتلي الدورة، وطرح مشروعًا عُرف باسم مشروع موريسون، نسبة إلى نائب رئيس الوزراء البريطاني هربرت موريسون.
وقام المشروع على الأسس الآتية:
1. تقسيم فلسطين إلى منطقة عربية ومنطقة يهودية، مع وضع خاص لمنطقتي النقب والقدس، التي تشمل القدس وبيت لحم وما يتبعهما.
2. منح كل من المنطقتين العربية واليهودية حكومة محلية تتمتع بصلاحيات الإدارة والتشريع في الشؤون المحلية، ومجلس تشريعي، على أن تكون الهجرة من اختصاص الحكومة المحلية.
3. إنشاء حكومة مركزية لفلسطين تتولى الدفاع والشؤون الخارجية والجمارك، برئاسة مندوب سامٍ بريطاني يعاونه مجلس تشريعي ومجلس تنفيذي.
4. إنشاء مجلس بلدي لمنطقة القدس، يُنتخب بعض أعضائه ويُعيّن المندوب السامي البعض الآخر.
5. إبقاء منطقة النقب تحت إدارة الحكومة المركزية.
رفض العرب واليهود مشروع موريسون، وقدم كل طرف مشروعًا بديلًا.
المشروع العربي
تمثلت أبرز أسس المشروع العربي في:
1. إنهاء الانتداب وإعلان فلسطين دولة واحدة ديمقراطية، وفق دستور تضعه جمعية تأسيسية.
2. إنشاء حكومة انتقالية برئاسة المندوب السامي، تضم سبعة وزراء عرب وثلاثة وزراء يهود، تمهيدًا لتنفيذ ذلك.
3. وقف الهجرة اليهودية فورًا، وترك تنظيمها مستقبلًا للحكومة الفلسطينية.
4. وضع ضمانات دستورية لحماية حقوق الأقليات واليهود.
5. عقد معاهدة تحالف بين الدولة الفلسطينية وبريطانيا.
6. ضمان حرية ارتياد الأماكن المقدسة وممارسة العبادة فيها.
المشروع اليهودي
قام المشروع اليهودي على الأسس الآتية:
1. إنشاء دولة يهودية مستقلة على مساحة تبلغ نحو 65% من فلسطين، وتشمل النقب والخليل وأراضي عربية أخرى.
2. عقد معاهدة بين الدولة اليهودية وبريطانيا تتيح لبريطانيا الاحتفاظ بقواعد فيها وتضمن مصالحها.
3. منح الأماكن المقدسة صفة دولية.
وبسبب التباعد الكبير بين موقفي الطرفين، علقت بريطانيا المؤتمر مدة شهرين لإعادة تقويم موقفها في ضوء المشروعين العربي واليهودي.
الدورة الثانية
استؤنفت أعمال المؤتمر في 26 كانون الثاني/يناير 1947، وتمكن الفلسطينيون خلالها من إرسال وفد عن الهيئة العربية العليا لتمثيلهم، بعدما وجهت إليها دعوة رسمية للمشاركة، إلى جانب الوفود العربية التي شاركت في الدورة الأولى.
أما الوفد اليهودي فلم يشارك رسميًا، بعدما رفض اليهود حضور المؤتمر إلا على أساس الاعتراف بقيام دولة يهودية في فلسطين. ومع ذلك، استمرت الاتصالات الجانبية بين الجانب البريطاني والجانب اليهودي طوال فترة انعقاد المؤتمر.
وأعلنت بريطانيا في هذه الدورة رفضها للمشروعين العربي واليهودي، وقدمت مشروعًا بريطانيًا جديدًا عُرف باسم مشروع بيغن.
وقام المشروع على الأسس الآتية:
1. وضع فلسطين تحت الوصاية البريطانية لمدة خمس سنوات، بإشراف مندوب سامٍ بريطاني.
2. منح مناطق الكثافة العربية واليهودية سلطات واسعة في الحكم المحلي.
3. إجراء انتخابات لجمعية تأسيسية في نهاية السنة الرابعة من الوصاية لوضع دستور لفلسطين. فإذا اتفقت الأكثرية العربية واليهودية على قيام دولة واحدة، يوضع الدستور على هذا الأساس، وإذا لم تتحقق هذه الأكثرية، يُحال الأمر إلى مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة لاتخاذ القرار المناسب.
4. السماح خلال السنتين الأوليين من الوصاية بدخول 96 ألف يهودي إلى فلسطين، ثم وقف الهجرة إلى حين تقرير مصير البلاد بموجب الدستور الجديد أو بقرار من مجلس الوصاية التابع للأمم المتحدة.
رفض العرب المشروع البريطاني الجديد، كما رفضه اليهود، في ظل اعتمادهم المتزايد على الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق أهدافهم في فلسطين.
وبناءً على موقف الطرفين، أعلنت بريطانيا فضّ المؤتمر وأحالت قضية فلسطين إلى منظمة الأمم المتحدة في 2 نيسان/أبريل 1947، لتدخل القضية الفلسطينية بذلك مرحلة جديدة.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها