في الثالث من أيلول المقبل، ستُضاء صالة La Salle في لبنان على وقع زغاريد لا تخصّ عائلةً واحدة، بل عائلاتٍ عدّة اجتمعت في ليلةٍ واحدة، عرسٌ جماعي لأبناء المخيمات الفلسطينية، تتكفّل به أيادٍ تطوّعت واحدةً تلو الأخرى، من دون أن يطلب منها أحد.

صاحب المبادرة، رجل الأعمال الفلسطيني عضو المجلس الوطني الفلسطيني السيد سامي بقاعي، تحدّث إلى "قناة فلسطيننا" عن الفكرة التي تقف خلف هذا العرس، وعن الفارق بينها وبين ما اعتاد الناس عليه، وعن الخطوة التالية التي يستعدّ لها: مركزٌ لتدريب أبناء المخيمات على الذكاء الاصطناعي والمهن.

 

البدايةُ كانت شمسًا

 

يقول بقاعي إنّ التجربة الأولى كانت مع مشروع الطاقة الشمسية، وإنّ ما فاجأه حينها لم يكن حجم الحاجة، بل حجم الاستعداد للعطاء، يقول: «رأينا أنّ يد الخير ممدودة، وأنّ يد الخير مفتوحة، كثيرون بادروا من تلقاء أنفسهم إلى مساعدة أهلهم وأقاربهم وأصدقائهم، حتى صار المشروع يكبر من ذاته».

من تلك التجربة خرج بقناعةٍ رافقته منذ ذلك الحين: العمل الاجتماعي يجب ألّا يبقى في الظلّ، لا طلبًا للأضواء، بل لأنّ المبادرة حين تُرى، تُعدي غيرها.

 

فكرةٌ مختلفة عن العرس الجماعي

 

لا يدّعي بقاعي أنّه صاحب السبق، فالأعراس الجماعية أُقيمت في لبنان مراراً، ونظّمها سياسيون ورجال أعمال في فتراتٍ سابقة. «لكنّ فكرتنا مختلفة»، يقول.

الفارق يكمن في فلسفة المساعدة نفسها، فالمعتاد أن يُمنح العريس مبلغاً يتراوح بين ثلاثة وخمسة آلاف دولار، يدبّر بها أمره فيشتري برّاداً وغسّالة وفرن غاز أو أثاثاً لبيته. أمّا هو، فاختار طريقاً آخر: «حين أُعطي شخصاً مبلغاً من المال، فإنّه يفرح وحده داخل بيته، وفكرتي الأساسية أن أُدخل الفرح إلى قلوب المحيط به: أهله وأصدقائه، والأربعين أو الخمسين شخصاً الذين سيحضرون العرس».

الهدف إذاً ليس تأثيث بيتٍ واحد، بل صناعة فرحٍ يتّسع لعائلتَي العروسين وأصدقائهما وجيرانهما، فرحٍ يبقى في الذاكرة بعد أن يزول كلّ ما يُشترى.

 

أيادٍ تكاتفت قبل أن يُطلب منها

 

يحرص بقاعي على أن يوجّه التحية لمن وقفوا إلى جانبه، مؤكّداً أنّ العرس ثمرة جهدٍ جماعي، فما إن سمع الإخوة وفيق زمزم ووسيم الشاعر وحسين فرهود بالمشروع حتى بادروا واتفقوا فيما بينهم على تأمين الكسوة كاملة: فستان العروس وبدلة العريس، وحين عُرضت الفكرة على الفنان الفلسطيني يوسف الملك، لم ينتظر حتى تكتمل: «قال لي فوراً: أنا أقدّم نفسي لهذا المشروع».

وتبرّع المصوّرون بخدماتهم، وتجاوبت فرقة الكوفية وزفّة البيارق والمؤسسات الاجتماعية للوقوف إلى جانب الحدث، وهكذا اكتملت الصورة قطعةً قطعة، من عشرات الأيدي الصغيرة.

ويشدّد بقاعي على أنّ أهمية هذا العرس تكمن في استمراريته لا في تفرّده، كاشفاً أنّ العمل بدأ بالفعل على المرحلة المقبلة: «سيكون هناك عرسٌ ثانٍ وثالث بإذن الله، بجهود أهل الخير وأصحاب الهمم».

 

ردٌّ هادئ على المنتقدين

 

لم يمرّ الإعلان عن المبادرة من دون انتقادات، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأى بعض المعلّقين أنّ إعطاء العريس ألف دولار أجدى من إقامة حفل.

يردّ بقاعي على ذلك بهدوءٍ لا يخلو من حزم: «لا، ليس أفضل... الألف دولار تُسعد شخصاً واحداً، وأنا أريد أن أُسعد أناساً كثيرين».

ويضيف متوقّفاً عند نوعٍ من النقد يزعجه: «هناك من ينتقد وهو جالسٌ في بيته، لا يريد أن يضع يده في جيبه، ولا أن يقول ولو مرّة: هذا عملٌ جيّد».

 

من الإغاثة إلى التنمية: «مركز غسان بقاعي»

 

لا يريد السيد بقاعي أن تبقى مبادراته في خانة المساعدة العينية؛ المحطة التالية، كما أعلن خلال المقابلة، هي العمل التنموي، عبر مركزٍ يجري التحضير له ويحمل اسم «مركز غسان بقاعي»، يهدف إلى تدريب أطفال المخيمات على الذكاء الاصطناعي، على أن تكون الانطلاقة من مخيمٍ واحد تمهيداً للتوسّع إلى مخيمٍ ثانٍ وثالث.

ولا يقف الطموح عند التكنولوجيا، بل يمتدّ إلى المهن وتمكين الشباب منها: «من أراد أن يفتح صالون حلاقة، فليتعلّم، ومن أراد النجارة أو الحدادة أو الأدوات الصحية، فليتعلّم، فبمجرّد أن تعلّم شخصاً واحداً داخل البيت، قد يحمي هذا الشخص البيت كلّه».

ويختصر الهدف بجملة: «هدفنا ليس مئة بيت ولا مئتَي بيت، هدفنا أن نصل إلى كلّ المخيمات».

 

دعوةٌ مفتوحة لرجال الأعمال

 

في ختام حديثه، وجّه بقاعي نداءً إلى رجال الأعمال ألّا ينتظروا من يدعوهم: «لا تنتظروا أن أتّصل بكم. كلٌّ منّا يستطيع أن يبدأ من نفسه»، وضرب مثالاً بسيطاً: أن يشتري أحدهم سيارة أجرة لعائلةٍ محتاجة، يحتسبها من زكاة ماله، «هذه السيارة وحدها قد تنقذ عائلة من الضياع» يقول، مضيفاً أنّ ما يسعى إليه في نهاية المطاف هو تكافلٌ داخل المجتمع يُبنى عليه مجتمعٌ عامل.

ويحلم بأن يصل إلى مرحلةٍ تصبح فيها المخيمات وأهلها قادرين على الاعتماد على أنفسهم، عبر تأمين فرص العمل ودعم أصحاب المهن وتدريبهم على مهنٍ جديدة، بدلاً من انتظار المساعدة العينية عاماً بعد عام.

وفي الثالث من أيلول، حين تُضاء الصالة وتنطلق الزفّة، لن يكون ما يُحتفى به عقود قرانٍ فحسب، بل فكرةٌ بدأت من رجلٍ واحد لم ينتظر أحداً، ويوجّه اليوم رسالته إلى كلّ من يظنّ أنّ التغيير يحتاج إلى إمكاناتٍ كبيرة: «كنّا نقول قديماً: ماذا أفعل وحدي؟ لا، تستطيع أن تبدأ وحدك ثمّ تكبر فكرتك... تستطيع أن تحلم».