منذ قيام الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين في ظل المشروع الاستعماري البريطاني بقيت الحروب جزءا أساسيا من المشهد السياسي الإسرائيلي ليس فقط باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف عسكرية وإنما أيضا كأداة للهروب من الأزمات الداخلية وإعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإسرائيلي، ففي كل مرة تقترب فيها إسرائيل من استحقاق انتخابي تتقدم الملفات الأمنية إلى الواجهة ويتراجع النقاش حول القضايا الداخلية وكأن الطريق إلى صناديق الاقتراع يمر دائما عبر الجبهة.

واليوم ومع اقتراب انتخابات الكنيست تبدو هذه القاعدة أكثر وضوحا، فحكومة بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف يواجهان أزمات وضغوطا متراكمة فيما تحاول الأحزاب اليمينية تقديم نفسها أمام الناخب الإسرائيلي باعتبارها الأكثر قدرة على استخدام القوة والأكثر تشددا في مواجهة الفلسطينيين، في غزة لم تعد الحرب بالنسبة إلى اليمين الإسرائيلي مجرد عملية عسكرية لها أهداف معلنة بل تحولت إلى مساحة للمزايدة السياسية بين الأحزاب السياسية فكلما ارتفع منسوب القتل والدمار حاول كل طرف أن يثبت أنه الأكثر تشددا والأكثر رفضا لأي تسوية يمكن أن تنهي الحرب العدوانية، هكذا أصبحت صور الدمار في غزة وسقوط الضحايا والحصار والتجويع والتهجير جزءا من خطاب سياسي إسرائيلي يبحث عن أصوات الناخبين في مشهد يكشف إلى أي حد يمكن أن تصل السياسة عندما تصبح حياة الشعوب الأخرى مادة للمنافسة الانتخابية.

وفي الضفة الغربية والقدس يجري استثمار الاستيطان بالطريقة نفسها بمصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وإقامة البؤر الاستيطانية والاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم، كلها تحولت إلى رسائل انتخابية موجهة إلى جمهور اليمين المتطرف، وقد ساهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير منذ توليه منصبه في السماح للمستوطنين المسلحين بالتحرك وتشجيع تطرفهم بما جعل الاعتداءات على الفلسطينيين جزءا من واقع يومي يهدف إلى فرض أمر واقع جديد على الأرض، وفي الوقت نفسه إرضاء القاعدة اليمينية التي ترى في التوسع الاستيطاني عنوانا لمشروعها السياسي، بعكس نتنياهو الذي لا يخوض المعركة السياسية مع خصومه فقط، بل يخوض  المعركة من أجل مستقبله الشخصي، فكلما بقيت إسرائيل في حالة من الحرب بقيت الأولوية للملف الأمني وتتراجع مساحة المسؤوليات السياسية والإخفاقات التي سبقت الحرب وأثناءها وكذلك الملفات القضائية التي تلاحقه ومن هنا يمكن فهم إصرار نتنياهو وائتلافه على إبقاء حالة الحرب مفتوحة سواء في غزة أو عبر توسيع دائرة التوتر مع لبنان وسوريا فالحرب تمنح حكومته وقتا إضافيا وتوفر لها ذريعة سياسية وأمنية لتأجيل الحسابات الداخلية.

لكن هذه اللعبة ليست بلا ثمن، فالحرب التي يمكن أن تمنح الحكومة بضعة أشهر إضافية من البقاء قد تتحول في مرحلة معينة إلى السبب الرئيسي لسقوطها، فالجنود الذين يقتلون ويصابون والخسائر الاقتصادية والانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي وتراجع صورة كيان الاحتلال الإسرائيلي أمام العالم كلها ملفات ستعود إلى الواجهة مهما حاولت حكومة نتنياهو تأجيلها، وهنا قد يجد نتنياهو نفسه أمام مفارقة سياسية صعبة، فالحرب التي استخدمها لحماية حكومته قد تصبح في النهاية الملف الذي يحاسب عليه أمام الناخب الإسرائيلي، ولذلك فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن تكون مجرد منافسة بين أحزاب بل ستكون استفتاءً على مستقبل الحرب نفسها، فهل يختار الإسرائيليون استمرار النهج القائم على القوة والتوسع والاستيطان؟ أم يبدأون البحث عن طريق آخر يدفع باتجاه التهدئة والحلول السياسية؟

ورغم إننا كفلسطينيين لسنا طرفا في هذه الانتخابات لكننا ندفع الثمن الأكبر منها، فكلما أراد حزب إسرائيلي رفع رصيده الانتخابي نكون نحن الفلسطينيون أمام مزيد من القتل والتدمير والتهجير والاستيطان ومصادرة أرضنا، والجانب الأكثر خطورة في المشهد الانتخابي الإسرائيلي أن تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى حاجة انتخابية وأن يصبح استمرارها مصلحة للاحزاب التي تخشى أن يؤدي توقفها إلى عودة الملفات الداخلية التي تحاول الهروب منها، من هنا، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بنتنياهو بل ببنية سياسية إسرائيلية باتت ترى في القوة والتصعيد والاستيطان أوراقاً انتخابية رابحة ولذلك فإن تغيير الأشخاص وحده لن يكون كافيا ما لم يتغير المنطق الذي يحول الحرب إلى أداة دائمة في السياسة الداخلية، وفي النهاية قد يستطيع نتنياهو أن يؤجل أزمة أو أن يرحل استحقاقا أو أن يختبئ خلف دخان الحروب لبعض الوقت لكنه لا يستطيع إلغاء الحقيقة، فالحروب قد تؤجل الانتخابات وقد تؤجل المحاسبة لكنها لا تستطيع تأجيل النتائج إلى الأبد، والسؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع الإسرائيلية المقبلة ليس من سيحكم إسرائيل؟ لكنه هل سيبقى الإسرائيليون أسرى حكومات تجعل من الحرب طريقا إلى السلطة أم يبدأون بإدراك أن استمرار الحرب قد يكون هو الطريق إلى خسارتها؟