انقضت مهلة الستين يوماً بين واشنطن وطهران من دون أن تفضي إلى اتفاق نهائي، ما يفتح الباب أمام سؤال أساسي، هل نحن أمام عودة إلى المواجهة أم أمام مهلة جديدة تتيح للطرفين إعادة ترتيب أوراقهما؟المشكلة أن الثقة بين واشنطن وطهران ما زالت شبه معدومة والخلافات لم تعد تقتصر على الملف النووي بل تشمل البرنامج الصاروخي والعقوبات وحرية الملاحة في مضيق هرمز، لذلك فإن انتهاء المهلة لا يعني بالضرورة انتهاء الهدنة، كما أن تمديدها لا يعني أن الأزمة انتهت، وأمام واشنطن معادلة صعبة بين الحرب والضغط، فالعودة إلى الحرب قد تحقق ضربات مؤلمة لإيران لكنها قد تفتح مواجهة يصعب التحكم بمسارها أو تحديد مدتها لذلك قد يكون الخيار الأكثر ترجيحاً هو استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي مع إبقاء الخيار العسكري حاضراً كتهديد بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات أكبر.
أما إيران فهي أيضاً أمام خيارات صعبة، فقبول الشروط الأميركية من دون ضمانات قد يعني تقديم تنازلات استراتيجية بينما رفض الضغوط بالكامل قد يفتح الباب أمام مزيد من العقوبات أو التصعيد العسكري، وإذا اندلعت مواجهة جديدة فمن الصعب أن يكون الرد الإيراني محدوداً إذ تملك طهران أوراقاً متعددة من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الملاحة والطاقة وتوسيع نطاق المواجهة في المنطقة، ويبقى مضيق هرمز إحدى أخطر الأوراق، وأي تعطيل لحركة الملاحة لن يضغط على الولايات المتحدة وحدها بل سيؤثر في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، ولهذا يمكن أن يتحول المضيق من ورقة تفاوض إلى شرارة مواجهة إذا فشلت المفاوضات.
فهل ستتعقد المفاوضات، أعتقد أن ذلك وارد جداً لأن المشكلة لم تعد في الوصول إلى طاولة التفاوض بل في الوصول إلى اتفاق يثق الطرفان بأنه سيستمر، وقد نشهد مفاوضات غير مباشرة ورسائل متبادلة ووساطات وربما مهلة جديدة لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاتفاق النهائي أصبح قريباً، برأيي فإن السيناريو الأقرب ليس حرباً شاملة جديدة ولا اتفاقاً نهائياً بل مرحلة رمادية، لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي وإنما ضغط متبادل وتهديدات ومفاوضات خلف الكواليس ومحاولات لشراء الوقت وتحسين شروط التفاوض.
لكن الخطر سيبقى قائماً لأن استمرار الأزمة من دون تسوية يرفع احتمال أن يؤدي حادث واحد أو سوء تقدير أو ضربة غير محسوبة إلى إعادة إشعال المواجهة وعندها قد تتحول الحرب إلى صراع واسع يصعب على أي طرف التحكم بنهايته، وفي النهاية السؤال الحقيقي ليس هل انتهت مهلة الستين يوما، بل هل تستطيع واشنطن وطهران التوصل إلى تسوية تحفظ لكل طرف شيئاً من ماء الوجه، أم أن كلاً منهما ما زال يعتقد أن بإمكانه تحسين شروطه عبر المزيد من الضغط؟ وإذا اختارت واشنطن وطهران التفاوض فقد نشهد ستين يوماً أخرى من شد الحبال أما إذا اختارت إحداهما اختبار القوة فقد لا تكون الستون يوماً المقبلة مهلة تفاوض بل بداية مرحلة جديدة من المواجهة في الشرق الأوسط، والمشكلة ليست فيمن يبدأ الحرب بل في معرفة أين يمكن أن تتوقف عندما تبدأ.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها