حين يرى العالم هذه الصورة لطفلة فلسطينية أنهكها الجوع وسوء التغذية قد يظن للوهلة الأولى أنها صورة من إحدى المناطق المنكوبة في إفريقيا أو من بلد يعيش المجاعة منذ سنوات، لكن الحقيقة الأكثر إيلاما أن هذه الصورة من قطاع غزة حيث يعيش نحو مليوني فلسطيني منذ السابع من أكتوبر 2023 تحت القصف والدمار والحصار وفي ظروف إنسانية تزداد قسوة يوما بعد يوم.
هذه الطفلة الغزاوية ليست مجرد صورة عابرة تختصر معاناة طفل بل هي صورة تختصر مأساة مليوني إنسان حرم من أبسط مقومات الحياة من غذاء ودواء ومياه النظيفة ورعاية صحية، فمنذ بدء العدوان على قطاع غزة لم يكن القتل والدمار وحدهما سلاح إسرائيل في هذه الحرب بل أصبح الجوع وسوء التغذية والحصار جزءا من المشهد اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون وخاصة الأطفال والنساء وكبار السن.
الأطفال في غزة يدفعون الثمن الأكبر وأجسادهم الصغيرة لا تحتمل نقص الغذاء ولا تستطيع مقاومة الأمراض المنتشرة في ظل انهيار القطاع الصحي ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، واصبحوا يعانون من الهزال الشديد وفقر الدم وأمراض سوء التغذية بينما عائلاتهم عاجزة أمام معاناة أبنائها لأنها ببساطة لا تملك الطعام الكافي ولا الدواء اللازم لعلاجهم، والأكثر قسوة أن النساء الحوامل يعانين أيضا من سوء التغذية وفقر الدم، وفي وقت يفترض أن تكون فيه المرأة بحاجة إلى رعاية غذائية وصحية مضاعفة أصبحت ولادتها محفوفة بالمخاطر في ظل نقص الغذاء والأدوية والرعاية الطبية.
إن ما يحدث في غزة ليس عدوان عسكري فقط بل أصبح أزمة إنسانية لا يمكن تجاوزها ببيانات الإدانة والتعبير عن القلق، ما يحدث في غزة كارثة إنسانية تهدد حياة آلاف الأطفال والنساء والشيوخ وتترك آثارا صحية وإنسانية عميقة على جيل كامل، ومع كل ذلك يبقى السؤال الذي لا يمكن الهروب منه، أين المجتمع الدولي؟ وأين المؤسسات الدولية والصحية والإنسانية؟
لماذا لا نرى ضغطا دوليا حقيقيا وفاعلا لإجبار الاحتلال الإسرائيلي على إدخال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية الضرورية إلى قطاع غزة؟ لماذا يبقى العالم متفرجا على طفل يموت من الجوع بينما تصدر البيانات والتحذيرات الواحد تلو الآخر دون أن تتحول إلى إجراءات حقيقية تنقذ الأرواح؟
إن إعلان الأمم المتحدة عن ارتفاع حالات سوء التغذية الحاد إلى مستويات خطيرة والتحذير من تداعيات استمرار المجاعة وسوء التغذية على الأطفال والنساء وخاصة الحوامل يجب ألا يبقى مجرد أرقام في التقارير الدولية، فخلف كل رقم طفل له اسم، وأم تنتظر أن ينجو، وأب عاجز عن توفير لقمة الخبز والدواء، هذه الصورة "أعلاه" يجب أن تكون صرخة في وجه العالم كله هذه غزة وليست الصومال، وهؤلاء أطفال فلسطينيون يعيشون على مرأى ومسمع من المجتمع الدولي، أطفال ونساء غزة لا يحتاجون إلى البيانات والخطب بل يحتاجون إلى فتح المعابر وإدخال الغذاء والدواء والمياه والمستلزمات الطبية وإنقاذهم من الموت جوعا ومرضا.
فإذا كان العالم قد اعتاد أن يرى صور الأطفال الجوعى في مناطق الفقر والمجاعات البعيدة فليتذكر أن الصورة هذه المرة جاءت من غزة من أرض فلسطينية محاصرة وأن الطفل الذي يظهر فيها ليس رقما في تقرير دولي بل إنسان له الحق في الحياة وفي الغذاء وفي العلاج وفي أن يعيش طفولته بعيدا عن الحرب والجوع والخوف، وغزة اليوم لا تموت بالقصف وحده، غزة تستنزف بالجوع والعالم يرى ويسمع لكنه ما زال عاجزا عن وقف هذه المأساة.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها