في تقديري، لا تكمن أهمية تصريحات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في تأكيد رفض مخطط التهجير فحسب، بل في الرسالة السياسية التي أرادت عمّان إيصالها إلى جميع الأطراف ومفادها أن أي محاولة لدفع الفلسطينيين نحو الأردن لن تُعد قضية إنسانية أو إغاثية وإنما قضية تمس الأمن والسيادة الوطنية الأردنية والاستقرار الإقليمي، ومن هنا يبرز السؤال الأهم، ما هي أدوات القوة التي يمتلكها الأردن لمنع تنفيذ أي مخطط تهجيري للفلسطينيين؟
جددت المملكة الأردنية الهاشمية، على لسان وزير الخارجية أيمن الصفدي موقفها الرافض بشكل قاطع لأي مخطط يستهدف تهجير الفلسطينيين إلى الأردن مؤكدة أن ذلك يشكل خطًا أحمر لن تسمح المملكة بتجاوزه وأنها ستفعل كل ما يلزم لمنع أي محاولة من هذا النوع، مؤكدة على أن التهجير لا يمثل فقط انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني بل يشكل أيضًا تصعيدًا بالغ الخطورة يهدد أمن المنطقة واستقرارها، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو، هل يمتلك الأردن بالفعل أدوات ضغط قادرة على إحباط مثل هذه المخططات إذا قررت إسرائيل المضي بها؟ في الواقع لا يمكن النظر إلى أدوات الأردن من زاوية القوة العسكرية وحدها فالمواجهة في هذا الملف ليست حربًا تقليدية بل هي معركة سياسية ودبلوماسية وقانونية وأمنية في آن واحد.
أولى هذه الأدوات تتمثل في الشرعية الدولية التي يستند إليها الموقف الأردني فالأردن يستطيع حشد دعم عربي وإسلامي ودولي واسع باعتبار أن التهجير القسري يعد جريمة يحظرها القانون الدولي الإنساني ويمكن أن يشكل أساسا لتحركات قانونية ودبلوماسية في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية بما يزيد من عزلة إسرائيل اذا سعت إلى فرض هذا السيناريو، أما الأداة الثانية فتتمثل في العلاقات الاستراتيجية التي تربط الأردن بالولايات المتحدة والدول الأوروبية، فعمّان تعد شريكا أساسيا في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب وتتمتع بقنوات اتصال مباشرة مع العواصم المؤثرة ما يمنحها قدرة على ممارسة ضغوط سياسية وإقناع تلك الدول بأن أي مشروع تهجير لن يحقق الأمن لإسرائيل بل سيفجر المنطقة بأكملها.
كما وتبرز أيضا الورقة الأمنية وهي من أكثر الأوراق حساسية، فالأردن يدرك أن فرض موجات نزوح قسرية سيؤدي إلى تداعيات داخلية وإقليمية خطيرة وسيخلق واقعا جديدا قد يهدد استقرار المملكة والمنطقة لذلك فإن الرسائل الأردنية المتكررة بأن التهجير يمس الأمن الوطني ليست مجرد تصريحات إعلامية بل تعكس استعدادا للتعامل مع الملف باعتباره قضية سيادية ووطنية، وإلى جانب ذلك يمتلك الأردن شبكة واسعة من التحالفات العربية ولا سيما مع مصر والدول الرافضة لمشاريع التهجير، وإذا ما توحد الموقف العربي بشكل عملي فإن أي محاولة إسرائيلية لفرض واقع جديد ستواجه رفضا سياسيا عربيا وإقليميا وعالميا واسعا الأمر الذي يزيد من كلفة تنفيذها على إسرائيل.
ورغم ذلك لا بد من الاعتراف بأن قدرة الأردن ليست مطلقة فإذا قررت إسرائيل مدعومة بغطاء أميركي وصمت دولي فرض سياسة التهجير بالقوة العسكرية فإن الخيارات الأردنية تصبح أكثر تعقيدا خاصة في ظل اختلال موازين القوى، ولذلك فإن نجاح الأردن في منع هذا السيناريو سيعتمد بدرجة كبيرة على حجم الدعم العربي ومدى استعداد المجتمع الدولي لترجمة مواقفه المعلنة إلى إجراءات عملية تحول دون تنفيذ مخطط التهجير.
ومن هنا فإن الدفاع عن الأردن في هذه المعركة لا ينفصل عن الدفاع عن فلسطين نفسها فإفشال مخططات التهجير يبدأ أولا بصمود الفلسطينيين على أرضهم وبدعم عربي ودولي حقيقي يرفض تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية لجوء جديدة لأن تهجير الفلسطينيين لن ينهي الصراع بل سينقل أزمته إلى دول الجوار وفي مقدمتها الأردن، لذلك فإن تصريحات وزير الخارجية الأردني لم تكن مجرد إعلان لموقف سياسي فقط، بل كانت بمثابة رسالة تحذير مبكرة بأن المملكة ترى في مشروع التهجير تهديدا وجوديا يتجاوز البعد الإنساني يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا الموقف إلى استراتيجية إقليمية ودولية قادرة على منع أي محاولة لفرض وقائع جديدة على حساب الشعب الفلسطيني والأردن معًا.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها