لستُ من مشجعي كرة القدم، ولم تكن يومًا شغفي، لكنني أؤمن بأن بعض المباريات تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، وأن بعض الانتصارات لا تُقرأ بنتائجها، بل بما تحمله من رمزية وما تثيره في النفوس من معانٍ.
عندما تصبح الإنسانية دينًا، تصبح المواقف هي المعيار الحقيقي الذي نقيس به الشعوب والدول، لا عدد الأهداف ولا عدد الكؤوس. وفي زمنٍ صار فيه مجرد الانحياز إلى الحق يحتاج إلى شجاعة، وتحوّل الدفاع عن الشعب الفلسطيني إلى موقف يدفع أصحابه أثمانًا سياسية واقتصادية وإعلامية، يصبح لكل دولة وقفت إلى جانب المظلوم مكانةٌ خاصة في الوجدان.
لهذا، لم يكن سروري بخبر فوز إسبانيا نابعًا من اهتمام رياضي، بل من تقديرٍ لمواقف هذا البلد الذي أعلن، في أكثر من محطة، انحيازه إلى المبادئ الإنسانية ورفضه أن يكون شاهدًا صامتًا على المأساة الفلسطينية. وكذلك مصر، التي احتضنت فلسطين وأبناءها، وقدّمت عبر تاريخها الكثير، وتحملت من أجل هذه القضية أعباءً وتضحيات لا يمكن إنكارها أو تجاوزها، رغم كل ما قد تختلف حوله الآراء.
كنت أتمنى أن أرى مصر بين الفائزين أيضًا، لا لأنني أشجع منتخبًا بعينه، بل لأنني أحب أن أرى الفرح يطرق أبواب من وقفوا إلى جانب الحق، ولأن الشعوب التي حملت همّ فلسطين تستحق أن تفرح كما تفرح غيرها.
قد يرى البعض أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، لكن الحقيقة أن الضمير لا يعرف هذا الفصل. فالإنسان يحمل قناعاته معه إلى كل مكان، إلى كتابه، وقلمه، وصندوق اقتراعه، ومدرجات الملاعب أيضًا. وعندما يرفع شعبٌ صوته دفاعًا عن المظلوم، فإننا لا نصفق لكرةٍ دخلت مرمى، بل لقيمةٍ ما زالت تقاوم في عالمٍ يزداد قسوة.
ويحضرني هنا قول الشاعر الروماني جوفينال: "أعطوهم الخبز والسيرك"؛ تلك العبارة التي أرادت وصف سياسة إلهاء الشعوب بالمتعة حتى تنصرف عن قضاياها المصيرية. واليوم، وبين الحروب المتواصلة والضجيج الإعلامي والبطولات الرياضية، تبدو الحاجة أكبر إلى أن نستمتع بما نحب، ولكن من دون أن نفقد بوصلتنا الأخلاقية، أو ننسى أن هناك شعبًا ما زال يُقتل ويُهجَّر ويُحاصَر، وأن الإنسانية لا ينبغي أن تكون انتقائية.
ومع ذلك، فإن الفرح ليس تهمة، والانتصارات المعنوية ليست أمرًا هينًا. فالإنسان يحتاج إلى ومضة نور وسط هذا الركام، وإلى لحظة يشعر فيها أن القيم التي يؤمن بها لم تمت، وأن هناك من لا يزال يمتلك الجرأة ليقف إلى جانب العدالة والكرامة الإنسانية.
لهذا فرحت. ليس لأن فريقًا انتصر على آخر، بل لأنني رأيت في هذا الانتصار ما هو أبعد من الرياضة. رأيت فيه تذكيرًا بأن المواقف تبقى أطول عمرًا من المباريات، وأن التاريخ لا يحفظ أسماء الأبطال فقط، بل يحفظ أيضًا أسماء الذين اختاروا أن يكونوا إلى جانب الإنسان.
مباركٌ لإسبانيا إنجازها، ومباركٌ لمصر تاريخها ومواقفها، وكل التقدير لكل شعبٍ ودولةٍ جعلت من الإنسانية قضية، ومن العدالة موقفًا، ومن فلسطين ضميرًا لا يغيب .
الشاعرة نهى عودة
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها