لم يكد الشرق الأوسط يلتقط أنفاسه بعد أسابيع من التهدئة الحذرة بين الولايات المتحدة وإيران حتى عاد شبح الحرب ليخيم مجدداً على المنطقة، فإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء العمل باتفاق وقف إطلاق النار مع إيران وما تبعه من ضربات أميركية استهدفت مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني أعاد إلى الواجهة سؤالا مصيريا، هل نحن أمام جولة جديدة من الحرب الأميركية الإيرانية أم أن ما يجري ليس سوى تصعيد محسوب المراد منه فرض وقائع سياسية جديدة قبل العودة إلى طاولة المفاوضات؟
أعتقد أن "مذكرة إسلام آباد" التي جاءت كفرصة لخفض التوتر بين واشنطن وطهران وفتح باب المفاوضات للوصول إلى اتفاق أكثر شمولا، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت أن هذا الاتفاق كان هشا، وأنه لم يعالج جذور الصراع بل اقتصر على تجميد مؤقت للمواجهة في انتظار اختبار جديد وهو ما حدث مع التصعيد الأخير، لذلك أرى إن إعلان ترامب انتهاء الاتفاق لا يعني بالضرورة إغلاق الباب نهائيا أمام المساعي الدبلوماسية لكنه يؤكد أن لغة القوة عادت لتفرض نفسها على حساب لغة الحوار، فالولايات المتحدة تريد أن تثبت أنها لن تسمح لإيران بفرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة، فيما تحاول طهران التأكيد على أنها ما زالت قادرة على تهديد المصالح الأميركية وحلفائها كلما تعرضت لضغوط عسكرية أو اقتصادية، غير أن أخطر ما في هذا التصعيد لا يكمن في المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، بل في احتمال انتقالها إلى ساحات أخرى، وفي مقدمتها لبنان والعراق واليمن وهي ساحات ظلت طوال السنوات الماضية مسرحا للصراع غير المباشر بين الطرفين.
وفي هذا السياق يبرز لبنان بوصفه إحدى أكثر الساحات حساسية، فهل يؤدي انهيار التفاهم الأميركي الإيراني إلى انهيار التفاهمات المتعلقة بالجبهة اللبنانية؟ وهل يجد رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذا التصعيد فرصة لإعادة إشعال الحرب على لبنان؟ لا شك أن الحكومة الإسرائيلية تراقب التطورات عن كثب وربما ترى في تراجع فرص التفاهم الأميركي الإيراني فرصة لتوسيع هامش تحركها العسكري، لكن في المقابل فإن أي قرار إسرائيلي بتوسيع الحرب لن يكون قرارا إسرائيليا خالصا بل سيبقى مرتبطا بالموقف الأميركي وبمدى استعداد المجتمع الدولي لتحمل تداعيات حرب جديدة قد تمتد إلى معظم دول المنطقة، كما أن لبنان الذي لم يتعافى بعد من آثار الحرب الأخيرة لا يحتمل حرب إسرائيلية جديدة فالبنية التحتية المدمرة والأزمة الاقتصادية الخانقة والانهيار المالي كلها عوامل تجعل من أي مواجهة جديدة كارثة وطنية وإنسانية سيكون المدنيون أول ضحاياها.
أما بالنسبة إلى "مذكرة إسلام آباد"، فإن الحديث عن انهيارها الكامل قد يكون سابقاً لأوانه فمن الناحية العملية يبدو أن الاتفاق فقد فاعليته بعد استئناف العمليات العسكرية إلا أن التجارب السابقة تؤكد أن مثل هذه التفاهمات كثيرا ما تتعرض للانهيار ثم تعود للحياة عندما تصل الأطراف إلى قناعة بأن استمرار الحرب أكثر كلفة من العودة إلى المفاوضات، ولذلك يمكن القول إن المذكرة دخلت مرحلة التعليق أو التجميد لكنها لم تدفن سياسيا بصورة نهائية.
ويبقى السؤال الأهم: إلى أين تتجه الأمور؟
السيناريو الأول يتمثل في استمرار التصعيد العسكري، مع تنفيذ ضربات متبادلة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، في محاولة من كل طرف لتحسين شروطه السياسية.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في اتساع دائرة المواجهة لتشمل جبهات متعددة، بما فيها لبنان، الأمر الذي قد يدفع المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة يصعب احتواء تداعياتها.
في المقابل، يبقى السيناريو الثالث قائماً، وهو أن يكون التصعيد الحالي مجرد وسيلة ضغط متبادل، تنتهي بالعودة إلى مفاوضات جديدة برعاية دولية أو إقليمية، بعد أن يكون كل طرف قد وجّه رسائله العسكرية والسياسية إلى الطرف الآخر.
وفي جميع الأحوال فإن شعوب المنطقة هي الخاسر الأكبر، فكل جولة جديدة من الصراع تعني مزيدا من الدمار ومزيدا من الضحايا ومزيدا من الانهيار الاقتصادي بينما تستمر الأزمات الإنسانية في الاتساع وفي مقدمتها المأساة الفلسطينية التي ما زالت تنزف في قطاع غزة حيث تتواصل الحرب والحصار والمعاناة بعيدا عن الاهتمام الدولي الكافي.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على مفترق طرق خطير فإما أن تنتصر لغة العقل والدبلوماسية وإما أن تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الحروب المفتوحة التي لن يخرج منها أحد منتصرا بينما سيكون الثمن مزيدا من الدماء والدمار وعدم الاستقرار وستبقى الشعوب العربية والإقليمية هي التي تدفع فاتورة صراعات الكبار.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها