في كل مرة تتعرض فيها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" لأزمة مالية أو حملة سياسية يظن البعض أن القضية تتعلق بمؤسسة تقدم الإغاثة والمساعدات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، لكن في الحقيقة فأن استهداف الأونروا يتجاوز الجانب الإنساني لعملها، ليصل إلى جوهر القضية الفلسطينية وتحديدا قضية اللاجئين وحقهم في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها عام 1948، فقد أنشئت الأونروا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 عام 1949 باعتبارها وكالة مؤقتة إلى حين التوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
ومنذ ذلك التاريخ لم تكن الوكالة مجرد هيئة إغاثية بل أصبحت شاهدا سياسيا وقانونيا على استمرار وجود ملايين اللاجئين الفلسطينيين وعلى أن المجتمع الدولي لا يزال يعترف بأن هذه القضية لم تحل وأن مسؤولياته تجاهها لا تزال قائمة، وتؤكد هذه الحقيقة قرارات الأمم المتحدة وفي مقدمتها القرار 194 الذي ينص على حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم والتعويض عليهم وهو القرار الذي لا يزال يمثل المرجعية القانونية لقضية اللاجئين رغم مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة.
لهذا السبب تحديدا وضعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة "الأونروا" في مقدمة أهدافها السياسية لأنها تدرك أن وجود الوكالة يعني بقاء قضية اللاجئين حاضرة في المحافل الدولية وأن انتهاء عملها قبل حل القضية سيستخدم لإيصال رسالة مفادها أن ملف اللاجئين قد أُغلق وأن حق العودة أصبح جزءا من الماضي، فمنذ توقيع اتفاق أوسلو تصاعدت هذه الجهود بصورة ملحوظة بعدما تعثر التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الحل النهائي وفي مقدمتها القدس واللاجئون والاستيطان والحدود وتحولت الأونروا إلى هدف دائم للضغوط السياسية والمالية الإسرائيلي والأمريكية في محاولة لإنهاء دورها وإحلال مؤسسات أخرى مكانها لا ترتبط أصلا بقضية اللاجئين أو بحق العودة.
كما أن الحكومة الإسرائيلية استثمرت أحداث السابع من أكتوبر 2023 لتكثيف ضغوطها وحملتها ضد الوكالة حيث وجهت اتهامات إلى عدد من موظفيها بالمشاركة في الهجوم، لذلك علق عدد من الدول المانحة مساهماتها المالية مما تسبب بدخول "الأونروا" في أزمة غير مسبوقة هددت قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها لملايين اللاجئين في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا، وبالرغم من أن الأمم المتحدة اتخذت إجراءات وتحقيقات عادت دول عديدة لاستئناف تمويلها لكن إسرائيل واصلت حملتها السياسية المطالبة بإنهاء الوكالة بالكامل في خطوة كجزء من مشروع أوسع يستهدف تصفية قضية اللاجئين وليس معالجة مزاعم تتعلق ببعض الموظفين.
وفي خضم هذه التطورات جاء تصريح ما يسمى مجلس السلام في قطاع غزة أنه لا مكان للأونروا في غزة الجديدة، ليطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا الطرح وخلفياته السياسية لأنه ينسجم بصورة لافتة مع الموقف الإسرائيلي الذي يسعى منذ سنوات إلى إنهاء عمل الوكالة وإخراجها من المشهد الفلسطيني، وهنا يجب أن يعرف مجلس السلام أن المشكلة ليست في إعادة تنظيم الخدمات أو تطوير آليات الإغاثة والمساعدات وإنما في أن إنهاء دور الأونروا قبل إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين، ما يعني عمليا إزالة آخر شاهد دولي على النكبة الفلسطينية وتحويل قضية اللاجئين من قضية سياسية وقانونية إلى قضية إنسانية قابلة للإدارة أو الاحتواء وهو ما يخدم مشاريع التوطين والتهجير وإسقاط حق العودة، لذلك فإن الدفاع عن الأونروا ليس دفاعا عن مؤسسة تقدم الطحين والدواء والتعليم فقط، بل هو دفاع عن الهوية الوطنية والرواية التاريخية الفلسطينية وعن الاعتراف الدولي بمسؤولية المجتمع الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
إن المطلوب اليوم موقف فلسطيني موحد يرفض أي محاولة للمساس بالأونروا أو الانتقاص من دورها إلى جانب تحرك عربي وإسلامي ودولي لتأمين الدعم المالي والسياسي اللازم لاستمرارها والتصدي لكل المشاريع التي تستهدف إنهاء وجودها أو نقل صلاحياتها إلى جهات أخرى قبل التوصل إلى حل عادل وشامل لقضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة، فإنقاذ "الأونروا" ليس قضية موازنة مالية بل هو دفاع عن حق تاريخي وقانوني، والتمسك بها ليس تمسكا بمؤسسة إغاثية بل تمسك بالشاهد الدولي على النكبة وبحق ملايين اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وهو الحق الذي لا يملك أحد التنازل عنه أو شطبه مهما اشتدت الضغوط وتعددت المشاريع.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها