شكّلت الأحداث التي شهدها قطاع غزة عام 2007 منعطفاً دموياً خطيراً في التاريخ الفلسطيني الحديث و في تاريخ القضية الفلسطينية ، تجاوزت حدود الخلاف السياسي بين قوى فلسطينية ، و خرجت عن إطار التباين الطبيعي داخل الساحة الفلسطينية ، حين جرى استبدال لغة الحوار الوطني بلغة الرصاص ، وتحويل الخلاف السياسي إلى إنقلاب عسكري و دموي ، دفع ثمنه أبناء الشعب الفلسطيني من دمهم و وحدتهم و قضيتهم و مستقبلهم.

شكّل الانقلاب الدموي الذي نفذته حركة حماس على السلطة الوطنية الفلسطينية و حركة فتح ضربة قاسية للمشروع الوطني الفلسطيني ، ليس فقط لأنه استهدف الشرعية الفلسطينية و النظام السياسي الفلسطيني ، بل لأنه فتح الباب أمام سابقة خطيرة تمثلت في سفك الدم الفلسطيني على يد فلسطيني ، و حسم التناقض الداخلي بالسلاح و لغة الرمي عن أسطح البنايات ، في لحظة كان شعبنا أحوج ما يكون فيها إلى الوحدة و التماسك في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي و مخططاته.

أخطر ما حملته تلك المرحلة ليس فقط سقوط مقرات أو تبدل سلطة الأمر الواقع في غزة فحسب ، بل كان انهياراً مؤلماً في منظومة القيم الوطنية التي قامت عليها الثورة الفلسطينية ، حيث تحوّل السلاح الذي كان يفترض أن يبقى موجهاً نحو الاحتلال إلى أداة صراع داخلي ، واستُبيحت الدماء الفلسطينية تحت شعارات دينية و سياسية و تنظيمية ، وكأن الوطن يمكن أن يُختصر في سلطة ، أو أن الشرعية يمكن أن تُنتزع بفوهة البندقية.

لقد جرى تقديم الانقلاب حينها على لسان قادة حماس أنه “حسم عسكري” و تباهوا بإجرامهم أمام الكاميرات ، لكنه في جوهره كان مشروعاً دموياً مأساوياً ممنهجاً ينهي خلاف سياسي كان يجب أن يبقى محكوماً بالحوار وصناديق الاقتراع و المؤسسات الوطنية ، فالخلاف داخل البيت الفلسطيني ، مهما بلغ حجمه ، لا يبرر القتل ولا الإقصاء ولا الانقلاب ، ولا يمنح أي طرف الحق في فرض سلطته بالقوة على جزء من الوطن و الشعب.

وما زاد من خطورة ذلك الانقلاب أنه كان مرتبطاً في حسابات إقليمية و مصالح خارجية ، إذ استفادت أطراف عدة من إستمرار الإنقلاب و غذته و حولته إلى واقع دائم ، لأن إضعاف و خطف القرار الوطني الفلسطيني المستقل كان و ما يزال هدفاً لكل من أراد للقضية الفلسطينية أن تبقى رهينة التجاذبات والمحاور ، لذلك تحوّل الانقسام الفلسطيني من حدث داخلي إلى أداة سياسية تخدم بشكل مباشر ، الأجندة الإسرائيلية القائمة على تفتيت الشعب الفلسطيني و فصل جغرافيته وضرب وحدته الوطنية.

من المستفيد ؟ بكل تأكيد الاحتلال الإسرائيلي المستفيد الأكبر من فصل غزة عن الضفة الغربية ، ليس جغرافياً فقط ، بل سياسياً وخدماتياً واجتماعياً أيضاً ، فالانقلاب أنتج واقعاً فلسطينياً مشطوراً: سلطة في الضفة ، و سلطة أمر واقع في غزة ، مؤسسات منفصلة ، وسياسات متباينة ، ومعاناة مضاعفة يعيشها المواطن الفلسطيني في حياته اليومية ، و هكذا تحوّل الانقسام إلى جدار داخلي لا يقل خطورة عن جدران الاحتلال ، لأنه مزق النسيج الوطني وأضعف الموقف الفلسطيني أمام العالم.

إن فصل غزة عن الضفة هذا الفصل بحد ذاته ليست نتيجة إدارية أو أمنية ، بل مشروعاً سياسياً خطيراً ضرب جوهر القضية الفلسطينية ، لأن وحدة الأرض و الشعب و التمثيل هي أساس أي مشروع تحرري ، و حين تنقسم الجغرافيا ، ينقسم القرار ، و حين ينقسم القرار ، و حين ينقسم الشعب تتراجع القدرة على مواجهة الاحتلال ، وتصبح القضية الوطنية عرضة للتجزئة و التوظيف و التلاعب.

لقد دفع شعبنا الفلسطيني ثمناً باهظاً لهذا الانقلاب ، دفعه شهداء و جرحى و معتقلون و مقهورون و مهجرون داخل وطنهم ، ودفعته القضية الفلسطينية من حضورها السياسي و من رصيدها الأخلاقي أمام العالم ، فبدلاً من أن يتفرغ الفلسطينيون لمواجهة الاحتلال والاستيطان والتهويد والحصار ، وجدوا أنفسهم أمام انقسام داخلي طويل ، استنزف طاقاتهم وبدد الكثير من فرصهم الوطنية.

أما حركة فتح ، بما تختزنه من إرث وطني و كفاحي عريق، تجاوزت كونها طرفاً تنظيمياً في ذلك الصراع ، لتغدو تجسيداً للشرعية الوطنية الفلسطينية ، وحاملةً للمشروع الوطني الذي انطلق من أجل تحرير الأرض ، و صون الهوية ، وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس ، لهذا، جاء استهداف فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية استهدافاً مباشراً لفكرة الشرعية ، ولمكانة منظمة التحرير الفلسطينية ، و للوحدة الوطنية التي ناضل شعبنا طويلاً من أجل ترسيخها.

ومهما حاول البعض تبرير ما حدث ، فإن الدم الفلسطيني لا يُبرَّر، و الانقلاب لا يصبح شرعية مع مرور الزمن ، و استخدام السلاح داخلياً لا يصنع وطناً ، بل يفتح جراحاً يصعب إغلاقها ، فالسلطة التي تقوم على الدم تبقى مثقلة بسؤال الأخلاق والوطنية ، و الحكم الذي يولد من رحم الإنقلاب و الدم لا يمكن أن يكون طريقاً للتحرير أو الوحدة.

هذه التجربة المريرة التي عاشها شعبنا منذ ذلك الانقلاب تؤكد أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن ينهض إلا على قاعدة واحدة: وحدة الشعب ، و وحدة الأرض ، و وحدة القرار ، و وحدة القانون ، و وحدة السلاح ، و الاحتكام إلى الشرعية الوطنية والمؤسسات الوطنية ، و التي تتجسد في منظمة التحرير الفلسطينية ، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني.

وإذا كان الاحتلال قد راهن دائماً على تمزيق الفلسطينيين وإغراقهم في خلافاتهم الداخلية ، فإن الرد الوطني الحقيقي لا يكون بتكريس الانقسام و دعم استمرار الإنقلاب ، بل بإنهائه ، ولا يكون بتبرير الدم ، بل بالاعتراف بخطيئة سفكه ، ولا يكون بتحويل غزة إلى كيان منفصل ، بل بإعادتها إلى قلب المشروع الوطني الفلسطيني ، جزءاً أصيلاً من الدولة الفلسطينية المنشودة، وامتداداً طبيعياً للضفة والقدس وكل فلسطين.

إن ما جرى في غزة سيبقى جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية ، لا من أجل البقاء أسرى الماضي ، بل من أجل استخلاص العبرة: أن الدم الفلسطيني خط أحمر ، و أن الخلاف السياسي لا يُحسم بالبندقية ، و أن أي مشروع يقوم على الانقسام لا يخدم إلا الاحتلال و أجنداته ، ففلسطين لا تتحرر بانقلاب ، ولا تُبنى بالاقتتال الداخلي ، ولا تنتصر إلا بوحدة أبنائها و وفائهم لدماء الشهداء و للمشروع الوطني الفلسطيني.