في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي حربه المدمرة على قطاع غزة تتكشف يوما بعد يوم ملامح مخطط جديد يستهدف مستقبل القطاع وسكانه، ومع إصدار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أوامر لجيشه بتوسيع نطاق سيطرته العسكرية على ما يقارب 70% من مساحة قطاع غزة تزداد المخاوف من أن تكون غزة أمام مرحلة جديدة من التقسيم الجغرافي والسياسي تفرض بقوة الاحتلال وترسم حدودها على أنقاض المدن والمخيمات المدمرة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري، إلى أين يذهبون بغزة؟ وما هو المصير الذي يراد لهذا الجزء العزيز من الوطن الفلسطيني؟ والأهم من ذلك إلى أين سيذهب أكثر من مليوني فلسطيني أنهكتهم الحروب المتتالية وفقدوا منازلهم وأرزاقهم وأمنهم وتناوب عليهم النزوح من مكان إلى آخر تحت القصف والحصار والجوع؟
إن الاحتلال الذي دمر معظم البنية التحتية في القطاع وسوى أحياء كاملة بالأرض لا يقدم أي ضمانات حقيقية بشأن إعادة الإعمار أو عودة النازحين إلى مناطقهم بل على العكس فإن الوقائع الميدانية تشير إلى محاولات فرض واقع جديد يجعل أجزاء واسعة من القطاع مناطق عازلة أو مناطق خاضعة لسيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية الرامية إلى إعادة تشكيل غزة وفقا لمصالحها الأمنية والسياسية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط وتعدد بؤر الصراع والحروب في المنطقة تراجعت قضية غزة إلى مراتب متأخرة على أجندة القوى الدولية والإقليمية، فالإدارة الأميركية باتت منشغلة بملفات أخرى والمجتمع الدولي يكتفي ببيانات القلق والإدانة فيما تبدو الأمة العربية عاجزة عن بلورة موقف قادر على وقف العدوان أو فرض حلول عادلة تحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.
أما المشاريع التي طرحت تحت مسميات مختلفة لإدارة القطاع وإعادة إعماره فقد بقيت حتى الآن حبرا على ورق، كما أن الجهات التي تحدثت عن خطط لإعادة الإعمار لم تتمكن من إحداث أي تغيير ملموس على الأرض في وقت تتزايد فيه معاناة السكان وتتعقد الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق، وتبدو قضية غزة مرشحة للاستمرار لفترة طويلة في ظل غياب إرادة دولية حقيقية تجبر الاحتلال على الانسحاب ورفع الحصار وإنهاء سياسة العقاب الجماعي، كما أن اشتداد الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، يجعل القضية الفلسطينية عرضة لمزيد من التهميش والاستغلال ضمن حسابات إقليمية ودولية أوسع بينما يدفع الشعب الفلسطيني وحده ثمن هذه الصراعات المتشابكة.
إن غزة اليوم لا تواجه مجرد أزمة إنسانية أو كارثة عمرانية بل تواجه معركة على هويتها ومستقبلها ومكانتها الوطنية، وما لم يتحرك المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية وما لم يتم التمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية ورفض كل مشاريع التقسيم والتهجير فإن القطاع سيبقى ساحة مفتوحة للأزمات والصراعات وسيظل أبناؤه يدفعون ثمن الاحتلال والحروب والحسابات الدولية، ويبقى الأمل معقودا على صمود الشعب الفلسطيني ووحدته الوطنية وقدرته على التمسك بأرضه وحقوقه المشروعة لأن غزة كانت وستبقى جزءا أصيلا من فلسطين ولن تنجح كل محاولات الاحتلال في تغيير هويتها أو اقتلاع شعبها من أرضه مهما بلغت التضحيات .