لم تكن حياة اللاجئ امتزاجًا بعمرٍ واحد، بل كانت تراكمًا طويلًا من الخسارات والخذلان والتيه، حتى أثقلت روحه وأرهقت يقينه بالحياة. وربما ما يشفع للاجئ الفلسطيني أنّه لم يحظَ يومًا ببيئةٍ صحيّة مكتملة تُشعره بالأمان أو تعلّمه كيف يمكن للإنسان أن يعيش بصورة طبيعية ومستقرة. فمنذ اللحظة الأولى، وُلد داخل القلق، وكبر داخل المنفى، وتعلّم الحياة تحت ثقل الحرمان والخوف وفقدان المعنى الحقيقي للاستقرار. لقد كلّفنا الاحتلال الكثير، ولم يسرق منّا الأرض وحدها، بل شوّه النفوس أيضًا، وكشف هشاشة الإنسان حين يُترك طويلًا تحت القهر والتشرّد.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى الشرّ ما لم يُهذّب نفسه ويقاومها، وهذه حقيقة أثبتتها التجارب الطويلة والصمود معًا. لكنّ الأخطر أن يُقنع الإنسان نفسه بأنّه خيرٌ أكثر مما ينبغي، فتبدأ رحلة السقوط المقنّع بالفضيلة، وتبدأ معها الحاجة الحقيقية إلى تهذيب النفس، وهي المرحلة التي يُلام بها الإنسان قبل أيّ شيءٍ آخر، لأنّ إدراكه لعيوبه وقدرته على إصلاح ذاته هما الفارق بين من يسقط في شروره ومن ينتصر عليها. ومع ذلك، فهذا لا ينطبق على الجميع، فثمّة من تُنقذه فطرته النقيّة رغم قسوة الحياة، وثمّة من يبقى وفيًّا للخير مهما ازدادت حوله العتمة.
وهذا لا يرتبط فقط بالأقدار أو بالأشياء الأبدية، بل إنّ البيئة السليمة والتربية السليمة تساعد الإنسان على الارتقاء بنفسه. فعندما ينشأ الإنسان على الأصالة والأخلاق، يصبح أكثر قدرةً على فهم معنى الحياة السويّة. فالدين، على اختلاف مناهجه وأشكاله وتطبيقاته ومذاهبه، يلتقي في جوهره عند نقطةٍ واحدة: الأخلاق ضرورة لاستمرارية العيش الإنساني. فمن تربّى على الأخلاق سيجد طريقًا أسهل للتعامل مع الناس، وسيعرف الطريقة السليمة التي ينبغي أن يعيش بها، لأنّ هناك حلقةً متكاملة من الوعي لا يمكن فصلها عن التربية والقيم.
ومن هنا يأتي الوجع الحقيقي من واقع هذا الشعب، هذا الشعب الذي اختزلت معاناته أحيانًا فقط في كونه شعبًا محتلًا، بينما غاب السؤال الأعمق: كيف يمكن لشعبٍ يعيش كل هذا الظلم أن يسمح أيضًا بظهور احتلال داخلي للنفس والعقل؟ كيف تحوّل بعض الناس إلى أدوات تمنح القمع والاستغلال والاستقواء فرصةً جديدة للحياة؟ ترى نماذج كثيرة، للأسف، تربّت على حب السلطة ولو كانت على حساب الآخرين، وعلى فرض القوة والهيبة حتى ولو كانت زائفة. والمفارقة أنّ الأمثلة أمامهم واضحة؛ فكم من أشخاص امتلكوا النفوذ يومًا ثم جُرّدوا منه، ومع ذلك لا يعتبر الكثيرون.
ولو أنّ الإنسان بطبيعته يعتبر ويتعلّم من سقوط الآخرين، لكانت الأمور أسهل بكثير. لأنّ معالجة أي احتلال خارجي تبدأ أولًا بمعالجة الاحتلال الداخلي؛ أن تبني بيئة سليمة من أشخاص سليمين ذهنيًا وفكريًا، وأن تُخلّصهم من ثقافة الذل التي تحوّلت مع الوقت إلى نموذج يُحتذى به. فالكرامة والاعتزاز بالحق هما الأمر الطبيعي في هذه الحياة، لكنّهما، للأسف، باتا يُقدّمان وكأنهما تمرّد أو خروج عن المألوف، مع أنّ الله خلق الإنسان عزيزًا، ولا مذلّة إلا حين يتخلّى الإنسان عن قيمه وإنسانيته.
كل هذه التراكمات أوصلتنا إلى هذا الكمّ الهائل من التشوّه، حتى باتت الأشياء الطبيعية تبدو غريبة، وأصبح الوعي نفسه معركة تحتاج إلى شجاعة حقيقية، خصوصًا لدى اللاجئ الفلسطيني الذي لم يخسر بيتًا فقط، بل خسر معه شعور الإنسان الطبيعي بالحياة الآمنة والمستقرة.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها