انطلقت اليوم الخميس 14 أيار 2026 أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة "فتح" في محطة تاريخية من أهم محطات الحركة الوطنية الفلسطينية وسط ظروف سياسية وتنظيمية ووطنية تعتبر الأصعب منذ عقود، فحركة "فتح" التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعشرات السنين تجد نفسها اليوم أمام تحديات كبيرة تتعلق باستعادة حضورها الشعبي وتجديد بنيتها التنظيمية وإعادة الثقة بينها وبين جماهير الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

ورغم ما تمر به المنطقة من حروب وصراعات متسارعة وما شهدته الأشهر الأخيرة من توترات وحروب إقليمية خطيرة وإغلاق لمضيق هرمز إلا أن قطار "فتح" عاد لينطلق من جديد بإرادة المناضلين المؤمنين بتاريخ الحركة ورسالتها الوطنية، فانعقاد المؤتمر بحد ذاته يحمل دلالات سياسية وتنظيمية مهمة تؤكد أن "فتح" ما زالت قادرة على النهوض واستعادة زمام المبادرة مهما اشتدت الأزمات.

المؤتمر الثامن يشارك فيه نحو 2580 عضوًا موزعين على أربعة أماكن، رام الله، غزة، القاهرة، وبيروت، في مشهد يعكس وحدة الحركة رغم التباعد الجغرافي والظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، لذلك فإن هذا الحضور الواسع لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد سباق انتخابي على المواقع والمقاعد والامتيازات بل يجب أن يكون معركة حقيقية من أجل برنامج وطني وتنظيمي جامع يعيد الاعتبار ل"فتح" كحركة تحرر وطني.

إن البرنامج الذي ينتظره الفلسطينيون قبل الفتحاويين يتمثل في استنهاض الحركة وإعادة بناء أطرها التنظيمية على أسس الكفاءة والنزاهة والانتماء الحقيقي لفلسطين ومشروع "فتح" الوطني، فالجماهير لم تعد تقتنع بالشعارات والخطابات بل تبحث عن قيادة تمتلك رؤية واضحة وقدرة على مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعصف بالقضية الفلسطينية.

واليوم تقع على عاتق أعضاء المؤتمر مسؤولية تاريخية في انتخاب قيادة قادرة على انتشال الحركة من حالة الترهل والجمود، قيادة تمتلك الجرأة على التجديد وتحافظ في الوقت نفسه على إرث الحركة وتاريخها النضالي الطويل، "ففتح" اليوم بحاجة إلى ضخ دماء جديدة في أطرها ومؤسساتها وإلى إعادة الاعتبار للكادر وإحياء الأطر التنظيمية التي شكلت لعقود مصدر قوة الحركة وانتشارها الجماهيري.

من هذا المنطلق فإن انعقاد المؤتمر الثامن يجب أن يشكل بداية مرحلة جديدة تعود فيها "فتح" إلى جذورها الأولى كحركة ثورية جامعة لكل الفلسطينيين تحمل هموم الناس وتدافع عن الثوابت الوطنية وتحمي القرار الفلسطيني المستقل من كل محاولات التبعية والهيمنة.

قطار "فتح" الثامن انطلق بالفعل لكن الأهم من الانطلاق أن يسير هذه المرة وفق رؤية واضحة وإرادة حقيقية للإصلاح والتغيير، فالفلسطينيون في الوطن والشتات ينتظرون من هذا المؤتمر رسالة أمل تؤكد أن فتح قادرة على النهوض من جديد كطائر الفينيق الذي يخرج من تحت الرماد محلقا فوق القدس والضفة وغزة ويرفرف بحناحيه فوق مخيمات اللاجئين حاملا راية العودة والحرية والاستقلال.