يأتي انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة حركة فتح في مرحلة تعد من أكثر المراحل خطورة وتعقيدا في تاريخ القضية الفلسطينية، وسط تحديات سياسية ووطنية وتنظيمية غير مسبوقة، وفي ظل حرب إبادة يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، واستمرار مشاريع الاستيطان والتهجير والتهويد في الضفة الغربية والقدس، ومحاولات تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حق العودة، لذلك فإن المؤتمر الثامن لا ينظر إليه كمجرد استحقاق تنظيمي عادي بل بإعتباره محطة هامة لإعادة الإعتبار لمستقبل حركة فتح ودورها القيادي في المرحلة القادمة.

إن المؤتمرات التنظيمية والحزبية تعقد عادة من أجل مراجعة التجارب السابقة وتقييم أداء القيادات، وإعادة ضخ الدماء الشابة في الأطر القيادية بما يضمن استمرارية المشروع السياسي والتنظيمي وتتابع الأجيال، من هنا فإن انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح يجب أن يشكل فرصة حقيقية للمراجعة الجادة والشجاعة لكل ما مرت به الحركة بين المؤتمرين (السابع والثامن) خاصة في ظل حالة التراجع والترهل التنظيمي التي أثرت على حضور الحركة وثقة الجماهير بها، فلقد دفعت حركة فتح عبر تاريخها الطويل أثمانا باهظة دفاعا عن المشروع الوطني وكانت على الدوام حامية القرار المستقل والعمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية وقائدة مسيرة التحرير والعودة. 

إلا أن حجم التحديات الحالية يتطلب إعادة الاعتبار لدورها التاريخي واستعادة حضورها الشعبي والتنظيمي بما ينسجم مع تضحيات الشهداء والأسرى والجرحى والمناضلين الذين صنعوا مجد الحركة عبر العقود، إن الأمل المعقود على المؤتمر الثامن يتمثل في إعادة بناء الأطر التنظيمية على أسس الكفاءة والنضال والانتماء الحقيقي، ورفد الحركة بطاقات شبابية قادرة على مواكبة المرحلة إلى جانب القيادات التاريخية التي حافظت على استمرارية الحركة في أصعب الظروف، فحركة فتح اليوم بحاجة إلى رؤية وطنية وتنظيمية شاملة تعيد توحيد صفوفها وتنهض بأدائها السياسي والجماهيري، وتؤسس لمرحلة جديدة قادرة على مواجهة المخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية.

وتقع المسؤولية الكبرى على أعضاء المؤتمر الثامن الذين يتحملون واجبا وطنيا وأخلاقيا في اختيار قيادات تمتلك الفكر والخبرة والقدرة على التضحية والعطاء بعيدا عن المصالح الشخصية والسعي وراء المناصب والامتيازات، فالمؤتمر ليس ساحة للتنافس على المواقع بل معركة لإنقاذ الحركة واستعادة ثقة الجماهير بها خاصة في هذه اللحظة التاريخية الحساسة التي يحاول فيها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أميركي لا محدود فرض وقائع جديدة تستهدف الأرض والإنسان والهوية الفلسطينية.

كما أن أهمية المؤتمر تكمن في تجديد الشرعية التنظيمية عبر انتخاب لجنة مركزية ومجلس ثوري يضمان الكفاءات الوطنية والنضالية القادرة على إحداث تغيير نوعي في آليات العمل والاستراتيجيات السياسية والتنظيمية، ففتح بحاجة إلى قرارات جريئة تعيد الحيوية إلى مؤسساتها وتعزز حضورها بين أبناء شعبها وتعيد الاعتبار لثقافة النضال والعمل الجماعي والانتماء الحقيقي للحركة.

ويبقى السؤال الأهم هل سينجح المؤتمر الثامن في إخراج حركة فتح من عنق الزجاجة؟ الإجابة مرهونة بمدى قدرة أبناء الحركة على تغليب المصلحة الوطنية والتنظيمية العليا والانتصار للفكرة الفتحاوية الأصيلة التي قامت على التضحية والفداء والعطاء بعيدا عن الحسابات الضيقة والمصالح الشخصية، فإذا نجح المؤتمر في تحقيق ذلك فإن فتح قادرة على استعادة قوتها ومكانتها التاريخية والعودة مجددا كحركة تحرر وطني تقود المشروع الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال والعودة.