التعبئة الفكرية لحركة "فتح" في منطقة صيدا ، طارق السيد.

لا ينعقد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” في ظرف عادي ، ولا يأتي بوصفه استحقاقًا تنظيميًا روتينيًا يمكن النظر إليه بعين الإجراءات وحدها ، بل ينعقد في واحدة من أكثر المراحل الفلسطينية حساسية وتعقيدًا ، حيث تتزاحم التحديات الوطنية و السياسية و التنظيمية في لحظة فارقة تتطلب أعلى درجات المسؤولية ، وأعمق أشكال الوعي ، و أصدق معاني الانتماء للحركة و لمشروعها الوطني.

أهمية هذا لمؤتمر تنبع أولًا من كونه محطة مراجعة وتجديد في زمن الخطر ، فالحركات الكبرى لا تُقاس فقط بتاريخها النضالي و محطاتها التاريخية ، بل بقدرتها على تجديد نفسها ، وترتيب بيتها الداخلي ، وصيانة وحدتها ، وتجديد أدواتها ، و استعادة حيويتها في مواجهة التحولات الكبرى ، و”فتح”، بما تمثله من ثقل تاريخي وسياسي وتنظيمي في الحياة الوطنية الفلسطينية و العربية ، تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية مزدوجة: مسؤولية الحفاظ على إرثها النضالي الكبير ، ومسؤولية تطوير بنيتها ورؤيتها وأدائها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة.

و تتضاعف أهمية انعقاد المؤتمر الثامن لأنه يأتي في وقت يتعرض فيه شعبنا الفلسطيني لأحد أقسى أشكال الاستهداف ، سواء على مستوى الدم والوجود والحقوق ، أو على مستوى محاولة كسر الإرادة الوطنية وضرب الثوابت الجامعة ، و في مثل هذه اللحظات ، تصبح الحاجة إلى حركة قوية ، موحدة ، متماسكة ، و قادرة على الإمساك بزمام مسؤولياتها ، حاجة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالمؤتمر هنا لا يخص أبناء “فتح” وحدهم ، بل تتجاوز دلالاته الإطار التنظيمي إلى المجال الوطني الأوسع ، لأن قوة “فتح” واستقرارها وتجددها تنعكس بطبيعة الحال على قوة الحالة الوطنية الفلسطينية برمتها ، من منظمة التحرير الفلسطينية بكامل فصائلها الى السلطة الوطنية الفلسطينية ، وليدة منظمة التحرير و مشروع فتح السياسي.

و تكتسب هذه الدورة من المؤتمر بعدًا إضافيًا و استثنائيًا ، لأنها ستُعقد للمرة الأولى في تاريخ الحركة في أربع ساحات في آنٍ واحد: الضفة الغربية ، وقطاع غزة ، ومصر ، و لبنان ، و هذه ليست مجرد آلية انعقاد فرضتها الظروف ، بل تحمل في جوهرها دلالة وطنية و سياسية عميقة ، و تبعث برسالة واضحة إلى الاحتلال الذي حاول أن يعيق وصول أعضاء المؤتمر إلى رام الله ، مفادها أن “فتح” أكبر من الحصار ، وأوسع من الجغرافيا المقيدة ، وأن إرادتها التنظيمية و الوطنية لا يمكن أن تُحتجز على حاجز ، ولا أن تُعطل بقرار احتلالي ، فحين يتعذر اجتماع الحركة في مكانٍ واحد ، فإنها تثبت أنها قادرة على الاجتماع في أكثر من ساحة ، موحدةً في القرار ، ثابتةً في الهوية ، عصيّةً على الكسر و العزل و الإرباك.

 هذا المؤتمر يجب أن يُقرأ بوصفه فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات ، وتثبيت المعايير ، وتجديد الثقة ، وضخ روح جديدة في الأطر القيادية والتنظيمية ، بعيدًا عن الحسابات الضيقة ، والمصالح الشخصية ، والتنافس غير المسؤول ، فالحركة التي دفعت من دم مؤسسيها و أبنائها و قادتها وأسراها ومناضليها أثمانًا باهظة في سبيل فلسطين ، لا يليق بها أن تدخل استحقاقًا بهذا الحجم بعقلية المكاسب الفردية أو الاصطفافات الصغيرة . من هنا ، فإن المؤتمر الثامن ليس مناسبة لإعادة توزيع المواقع ، بل لحظة لإعادة تثبيت المعنى الحقيقي للموقع التنظيمي بوصفه تكليفًا ومسؤولية ، لا تشريفًا ومكسبًا و صورة و بروتوكول.

أما مسؤولية أعضاء المؤتمر ، فهي مسؤولية وطنية و تنظيمية وأخلاقية في آن واحد ، فأنتم يا إخواني لا تجتمعون من أجل استكمال شكل تنظيمي فحسب ، بل تحملون أمانة اتخاذ قرارات سيكون لها أثر مباشر في مستقبل الحركة ، و في صورتها ، و في فاعليتها ، وفي قدرتها على مواكبة التحديات ،  المطلوب منكم إخوتي أعضاء المؤتمر أن تتصرفوا بروح المسؤولية التاريخية ، و أن تضعوا مصلحة الحركة فوق كل اعتبار ، و أن تنظروا إلى خياراتكم ومواقفكم بوصفها جزءًا من صناعة المرحلة المقبلة ، لا مجرد موقف عابر في مناسبة داخلية ، فأنتم حقيقةً أمام مسؤولية تاريخية.

العضو الحقيقي في مثل هذا المؤتمر هو من يسأل نفسه: ماذا تحتاج “فتح” اليوم؟ من القادر على حماية وحدتها؟ من الأجدر بحمل أمانتها؟ من يملك الكفاءة و النزاهة و التاريخ و القدرة على العمل الجماعي؟ من يستطيع أن يكون على مستوى تضحيات الشهداء و الأسرى و الجرحى و أبناء الحركة في كل الساحات؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحكم السلوك والقرار ، لا أسئلة العلاقات الشخصية ، أو الحسابات الجانبية ، أو الرغبات الفردية.

و المؤتمر الناجح ليس فقط الذي ينجز انتخاباته ، بل الذي يخرج برسالة واضحة إلى أبناء الحركة و إلى شعبنا كله ، رسالة مفادها أن “فتح” ما زالت قادرة على تجديد نفسها ، ومراجعة تجربتها ، و إعلاء المصلحة الوطنية ، و إنتاج قيادة على مستوى التحدي ، فالحركات الحية لا تخشى المراجعة ، ولا ترتبك من التجديد ، بل ترى فيهما شرطًا للاستمرار، وعنصرًا من عناصر البقاء و القوة.

وفي هذه المرحلة الحساسة ، فإن المسؤولية لا تقتصر على من سيُنتخب ، بل تشمل أيضًا من ينتخب ، و من يناقش ، و من يشارك ، و من يصوغ المناخ العام للمؤتمر ، فالجميع شركاء في إنجاح هذا الاستحقاق أو إضعافه ، و الجميع معنيون بحماية صورة الحركة وهيبتها ومكانتها التاريخية ، لذلك فإن المطلوب أن يكون المؤتمر مساحة للوعي ، و مساحة للمسؤولية لا للمزايدة ، وللبناء لا للهدم ، و لتعزيز الثقة لا لتوسيع الشروخ.

 “فتح” التي كانت و ما زالت قلب المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة ، مطالبة اليوم بأن تؤكد من جديد أنها حركة قادرة على الجمع بين الوفاء لتاريخها ، والاستعداد لمستقبلها ، و المؤتمر الثامن يشكل امتحانًا حقيقيًا لهذا المعنى ، فإذا ارتقى الجميع إلى مستوى المرحلة ، يمكن لهذا المؤتمر أن يكون نقطة قوة وانطلاقة جديدة ، أما إذا غلبت الحسابات الضيقة على الحساب الوطني و التنظيمي، فإن الخسارة لن تكون داخلية فقط ، بل ستطال صورة الحركة و دورها و رسالتها.

لهذا كله ، فالمؤتمر الثامن ليس حدثًا عابرًا ، بل استحقاق تاريخي بكل ما للكلمة من معنى ، و هو مناسبة يجب أن ينتصر فيها الضمير الحركي ، و الوعي الوطني ، و الإحساس العميق بحجم المسؤولية ، فـ”فتح” أكبر من الأفراد ، و أبقى من المصالح ، وأعمق من اللحظة العابرة ، لأنها كانت وما زالت عنوان الكفاح الوطني الفلسطيني ، و حركة الشعب الفلسطيني ، و رأس حربي في حراسة القرار الوطني المستقل ، فإن الواجب يقتضي أن يكون هذا المؤتمر على مستوى اسم الحركة ، و على مستوى تضحياتها ، و على مستوى ما ينتظره منها شعبها في هذه المرحلة الدقيقة.