لسنا حركةً تعيش في الماضي، لكننا أيضاً لسنا حركةً تقطع جذورها لتبدأ من فراغ. نحن نستند إلى تاريخٍ صاغته التضحيات، غير أنّ كل مرحلةٍ تفرض تحوّلاتها، وتُلزمنا بقراءة جديدة للواقع وأدواتٍ أكثر قدرة على المواجهة. ومن هنا، فإن انعقاد المؤتمر الثامن لا يمكن أن يكون محطةً تنظيمية عادية، بل يجب أن يكون لحظة مراجعة عميقة وتحولاً حقيقياً في الرؤية والسياسات.
السنوات الأخيرة لم تكن عابرة. المشهد تبدّل بصورة دراماتيكية، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر، حيث دخلت القضية الوطنية مرحلةً مختلفة من التعقيد والضغط. اختراقات غير مسبوقة في الضفة، دمار هائل في غزة، ملفات اجتماعية ووطنية شائكة كرواتب أسر الشهداء، ومعاناة الأسرى والمبعدين، وتراجع ملحوظ في الثقة بين القاعدة الشعبية والقيادة. كل ذلك يضع الحركة أمام امتحانٍ صعب: إما أن ترتقي إلى مستوى التحدي، أو أن تكتفي بإدارة الأزمة دون معالجتها.
في هذا السياق، يصبح اختيار المرشحين للمجلس الثوري وللجنة المركزية مسؤوليةً تاريخية لا تقبل المجاملة أو الحسابات الضيقة. المسألة ليست أسماءً تتنافس، بل مشروعٌ يتحدد. ليست توازناتٍ آنية، بل رؤيةٌ لسنوات قادمة. إن أي اختيار يقوم على اعتبارات شخصية أو اصطفافات ظرفية، هو انتقاص من حجم المرحلة وخطورة اللحظة. المطلوب اليوم رجالٌ ونساء يمتلكون الكفاءة، والقدرة على المتابعة، وتحمل الضغط، وإدارة الملفات المعقدة بعقلٍ وطنيّ لا بذهنيةٍ فردية.
نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن نصعد بالحركة صعوداً يعيدها إلى المشهد، إلى قاعدتها الشعبية، إلى ضمائر الناس، ويستعيد جسور الثقة بينها وبين شعبها؛ وإما أن نعود أدراجنا فنكرّس التراجع ونعمّق الفجوة. فالسياسة لا تعترف بالفراغ، والتنظيم الذي لا يجدّد أدواته ولا يفرز قياداته القادرة على الفعل، يتحول تدريجياً إلى إطارٍ بلا تأثير.
إن التحديات المتراكمة ـ من الضغوط الإقليمية والدولية، إلى الأزمات الداخلية، إلى تعقيدات المشهد الميداني ـ تحتاج إلى فريق عملٍ منسجم، يمتلك رؤية واضحة، ويتقن تحويل القرار إلى خطة، والخطة إلى إنجاز. تحتاج إلى قيادة ترى في المسؤولية تكليفاً لا تشريفاً، وتدرك أن الموقع ليس امتيازاً بل عبئاً ثقيلاً.
ومن هنا، فإن التماهي مع القاعدة، وإشراك أصحاب الكفاءات العالية، والاعتراف بالتاريخ النضالي لأبنائنا وبناتنا، إلى جانب ضخ دماء جديدة قادرة على الابتكار والمبادرة، يشكل معادلة التوازن المطلوبة. فالتجديد لا يلغي التجربة، بل يفعّلها. والشباب لا يناقض التاريخ، بل يمنحه امتداداً حياً. أما المرأة، فحضورها ليس استكمالاً شكلياً للصورة، بل ضرورة تنظيمية ووطنية؛ لأنها شريك أصيل في النضال وفي بناء الوعي المجتمعي.
إن المؤتمر الثامن فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الماضي والمستقبل. لسنا مطالبين بأن نمدّ الماضي على الحاضر فنختنق به، بل أن نحمله كخبرةٍ وقيمة، وننطلق منه نحو أفقٍ أكثر واقعية وجرأة. المراجعة ليست ضعفاً، بل شجاعة. والتصحيح ليس اعترافاً بالعجز، بل حماية للمسار.
اليوم، الضغط كبير، والتراجع واضح، والمشكلات عالقة. لكن الإرادة السياسية والتنظيمية قادرة على تحويل التحدي إلى انطلاقة. إن ضخ روح جديدة في بنية الحركة، واختيار قياداتٍ على قدر المرحلة، وبناء خطابٍ يعكس نبض الناس وهمومهم، كفيل بأن يعيد الحركة إلى شعبيتها، وإلى موقعها الطبيعي في قلب المشهد الوطني.
المؤتمر ليس مجرد استحقاق انتخابي، بل لحظة فرزٍ أخلاقي وتنظيمي. بين من يرى المسؤولية عبئاً مقدساً، ومن يراها مكسباً شخصياً. بين من يحمل همّ الحركة وقضيتها، ومن يحمل همّ موقعه فيها. وفي هذا الفرز تحديداً، يتحدد الطريق: إما صعودٌ يعيد الثقة والفاعلية، وإما دورانٌ في حلقة التراجع.
والتاريخ، كما علّمنا، لا ينتظر المترددين.