القدس ليست بنداً عابراً على جدول أعمال المؤتمر الثامن لحركة فتح، ولا ملفاً سياسياً يُناقش ضمن أولويات متحركة؛ فالقدس في الوعي الفتحاوي هي "جوهر الصراع" ومركز الرواية الوطنية الفلسطينية، والعنوان الأوضح لمعنى البقاء الفلسطيني فوق أرضه رغم كل محاولات الاقتلاع والطمس والتزييف.

تدرك حركة فتح أن الاحتلال لم يتعامل مع القدس يوماً باعتبارها مدينة فقط، بل باعتبارها المعركة الأخطر على الوعي والتاريخ والهوية. لذلك جاءت السياسات الإسرائيلية متكاملة: 
(تهويد جغرافي، اقتحام ديني، تغيير ديمغرافي، عزل اقتصادي، تفكيك اجتماعي، وإعادة تشكيل للمشهد الثقافي والتعليمي بما يخدم الرواية الصهيونية). 

ومن هنا، فإن المؤتمر الثامن لا ينظر إلى القدس بوصفها “قضية خدماتية” أو “عنوانا تفاوضيا”، بل باعتبارها ساحة اشتباك مفتوح على كل المستويات.

في الفكر الوطني لحركة فتح، لم تكن القدس يوماً مجرد شعار تعبوي، بل مشروع صمود يومي. فالمقدسي الذي يدفع الضرائب الباهظة كي يبقى في بيته، والمرابط في المسجد الأقصى، والتاجر الذي يفتح متجره رغم الخسارة، والمعلم الذي يواجه أسرلة المناهج، والطالب الذي يعبر الحواجز كل صباح، جميعهم يمثلون خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني الفلسطيني.

ومن هنا، فإن الرؤية الفتحاوية للقدس في المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الانتقال من سياسة “إدارة الأزمة” إلى “بناء استراتيجية بقاء وصمود شاملة”. فالاحتلال يراهن على إنهاك المقدسي اقتصاديا ونفسيا حتى يغادر بصمت! بينما المطلوب فلسطينياً هو تحويل "الصمود" إلى "مشروع وطني" ممول ومؤسساتي ومستدام.

إن أخطر ما تواجهه القدس اليوم ليس فقط الاستيطان، بل محاولة تفريغها من الإنسان الفلسطيني. فالمعركة الحقيقية لم تعد حول الحجر وحده، وإنما حول من يبقى داخل هذا الحجر ويحمل روايته وهويته وذاكرته. لذلك فإن المؤتمر الثامن أمام مسؤولية تاريخية في إعادة الاعتبار للقدس ضمن ثلاثة مسارات مترابطة:

أولاً: تثبيت الإنسان المقدسي

عبر بناء صناديق دعم حقيقية للإسكان والتعليم والصحة والتجارة، لأن بقاء المقدسي في مدينته هو فعل مقاومة بحد ذاته. فالمقدسي لا يحتاج خطابات موسمية، بل شبكة أمان وطنية تحميه من الانهيار الاقتصادي والاستهداف الاجتماعي.

ثانياً: حماية الهوية الوطنية للمدينة

وذلك من خلال مواجهة سياسات الأسرلة، ودعم المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية الفلسطينية في القدس، وإعادة إنتاج خطاب وطني عميق يُثبت عروبة المدينة تاريخياً وحضارياً وقانونياً، بعيداً عن الخطابات العاطفية المجردة.

ثالثاً: تدويل معركة القدس سياسياً وقانونياً 

ففتح، باعتبارها حركة تحرر وطني، تدرك أن القدس ليست قضية فلسطينية فحسب، بل قضية "قانون دولي وضمير إنساني". ومن هنا تأتي أهمية تفعيل الأدوات الدبلوماسية والقانونية في مواجهة سياسات الضم والتهويد، خصوصاً في ظل التحولات الدولية ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.

وما عزّز حضور القدس في الوعي التنظيمي والسياسي خلال المرحلة الأخيرة، ما تم تداوله لمرشح اللجنة المركزية لحركة فتح ماجد فرج، في المقطع المصوَّر الذي ظهر فيه وهو يشير إلى القدس بثباتٍ واضح، مؤكداً التمسك بها والتعهد بأن تبقى فلسطينية الهوية والانتماء. وقد حملت تلك الكلمات دلالات تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي، إذ أعادت التأكيد على أن القدس ما تزال في صميم الوجدان الفتحاوي، وأن معركة الدفاع عنها ليست معركة حدود أو سيادة فحسب، بل معركة وجود ورواية وحق تاريخي لا يسقط بالتقادم. ففي لحظة تتعرض فيها المدينة لأوسع مشاريع التهويد والعزل، بدا التمسك بالقدس بوصفها عاصمةً فلسطينية رسالة سياسية ومعنوية تعكس إصرار الحركة على أن تبقى القدس البوصلة التي تُقاس بها صدقية المواقف الوطنية وصلابة الانتماء الفلسطيني.

إن المؤتمر الثامن لحركة فتح سيكون أمام اختبار حقيقي: 
هل تبقى القدس ملفاً خطابياً يُستدعى في المناسبات، أم تتحول إلى أولوية تنظيمية وسياسية ومالية داخل المشروع الوطني الفلسطيني؟

فالقدس ليست بحاجة إلى مزيد من البكاء عليها، بل إلى إرادة سياسية تُدرك أن سقوط القدس معنوياً يعني تصدع الرواية الفلسطينية كلها. ولذلك، فإن فتح — التي انطلقت باعتبارها حركة التحرير الوطني الفلسطيني — مطالبة اليوم بإعادة إنتاج أدواتها النضالية والسياسية والتنظيمية بما يليق بمدينة تُقاتل وحدها منذ سنوات دفاعا عن هوية الأمة وذاكرة التاريخ.

وفي الوعي الفتحاوي العميق، ستبقى القدس أكثر من مدينة… إنها معيار الانتماء الوطني، وامتحان الصدق السياسي، والبوصلة التي لا يجوز أن تنحرف مهما اشتدت .