لم تعد الأزمة التي تواجهها حركة "فتح" أزمة أداء ظرفي يمكن معالجتها بإجراءات جزئية أو مزاجية، بل هي أزمة بنيوية تمس طبيعة العلاقة بين الأطر التنظيمية وآليات اتخاذ القرار ودور الحركة في النظام السياسي الفلسطيني، كما تمس قدرتها على الاستجابة للتحديات الإجتماعية والإقتصادية المتصاعدة في حياة الناس تحت الاحتلال ومسلسل جرائمه المتصاعدة.
لقد أفرزت السنوات الماضية حالة من التداخل بين الحركة والسلطة، وبين التنظيم والإدارة، ما أدى إلى تآكل الحدود بين الدور النضالي والوظيفة البيروقراطية، وأضعف قدرة الحركة على المبادرة والتجديد، وانعكس ذلك على حضورها السياسي المقاوم والأجتماعي في آنٍ واحد.
من هنا، فإن الحديث عن الإصلاح والتطوير لم يعد كافيًا، بل المطلوب هو إعادة تأسيس عقد تنظيمي جديد داخل الحركة، يعيد تعريف العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين التنظيم ودوره الوطني، وبين الحركة وجماهيرها وكافة ابناء شعبنا، ضمن رؤية متكاملة لا تفصل بين السياسي والأجتماعي والإقتصادي.
وبرأيي، يقوم هذا العقد على مرتكزات أساسية، من أهمها:
أولًا، تجديد الشرعية التنظيمية عبر تفعيل الديمقراطية الداخلية، وضمان دورية الانتخابات وتفعيل كافة الهيئات القيادية وتحديد أدارها بوضوح، وتوسيع المشاركة في صنع القرار، بما يعيد الثقة بين الكادر والقيادة، وبين الحركة وقواعدها وجماهيرها، ومع أبناء شعبنا في الوطن والشتات ومع الأسرى في زنازين الأحتلال.
ثانيًا، إعادة تعريف العلاقة بين الحركة والسلطة الوطنية، بما يحفظ لـ"فتح" دورها كحركة تحرر وطني دون سقف “اتفاقيات أوسلو، ويمنع ذوبانها في متطلبات الإدارة اليومية، مع الحفاظ على دورها في دعم الصمود الأجتماعي والاقتصادي، وتعزيز العدالة والكرامة المعيشية لشعبنا، بما يترجم إلى سياسات عملية في دعم فرص العمل، ومساندة الفئات الأكثر تضررًا، وتطوير الخدمات الأساسية من الصحة والتعليم أساسًا.
ثالثًا، تطوير معايير القيادة على أساس الكفاءة، والعطاء النضالي، والرؤية، والقدرة على الفعل، إضافة إلى فهم الإحتياجات الوطنية المختلفة، بعيدًا عن التوازنات الضيقة.
رابعًا، ترسيخ مبدأ المساءلة التنظيمية باعتباره شرطًا لأي تطوير حقيقي وتعزيز دور الرقابة الحركية.
خامسًا، بناء منابر فكرية تسمح بتعدد منظم للرؤى داخل الحركة في إطار الالتزام بوحدتها، وتحويل الإختلاف إلى مصدر قوة، لا إلى حالة خلاف أو تشرذم أو مراكز نفوذ، دون أن يكون ذلك بديلًا عن الأطر التنظيمية والإلتزام بوحدة القرار السياسي والتنظيمي.
سادسًا، تطوير البنية التنظيمية وتحديث النظام الداخلي باتجاه أشكال أكثر مرونة أفقية وشبكية، عبر المجالس الحركية في الأقاليم، وتفعيل المجلس الحركي العام، واللجان والمكاتب والمفوضيات القطاعية والتخصصية، بما يستوعب من لم يجدوا مواقع تنظيمية لهم في وقت سابق، وكذلك الطاقات الجديدة، وخاصة الشبابية منها تعزيزًا للمقاومة الشعبية.
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات الوطنية المقبلة، وفي مقدمتها انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني والرئاسية بعد إقرار دستور دولة فلسطين الذي يجب ان يضمن مبادئ المواطنة المدنية وفصل السلطات وشفافية المؤسسات وديمقراطية النظام السياسي، تبرز أهمية استخلاص الدروس من التجارب السابقة، بما فيها انتخابات المجلس التشريعي والهيئات المحلية، لتفادي إعادة إنتاج مكامن الضعف، سواء في إدارة العملية التنظيمية أو في قراءة نتائجها السياسية والانتخابية.
كما يطرح هذا الاستحقاق بوضوح سؤال المرحلة القادمة، وتعريف دور الحركة، بما يحفظ توازنها بين كونها إطارًا وطنيًا جامعًا واسعًا، وبين عدم تحولها إلى مجرد امتداد لمفهوم "حزب السلطة"، على حساب دورها التاريخي كحركة تحرر وطني في نظام سياسي ديمقراطي/ جمهوري نيابي.
إن إعادة بناء "فتح" على هذه الأسس ليست مسألة تنظيمية داخلية، بل شرط لاستعادة دورها كقوة قائدة للمشروع الوطني التحرري والنواة الصلبة للحركة الوطنية الفلسطينية، وقادرة على التفاعل مع التحولات العميقة في المجتمع الفلسطيني والإقليم والنظام الدولي المتغير. كما ترتبط هذه المهمة بمواجهة التحديات الراهنة، من التوسع الاستعماري والفصل الجغرافي، ومحاولات فرض نماذج إدارية على حساب الهوية الوطنية في غزة والضفة الغربية بما فيها القدس ومحاولات كي الوعي الجمعي بمقابل روايتنا التاريخية وتاريخ ثورتنا المعاصرة، وما يستدعيه ذلك من نقاش جدي حول جدلية الدولة الفلسطينية بين المبدأ وواقع التطبيق في ظل تصعيد محاولات تنفيذ رؤية المشروع الإستعماري الصهيوني في كل أرض فلسطين التاريخية، بما يضمن الوصول بشعبنا إلى حقه في تقرير المصير، وحل قضية اللاجئين ومنع التهجير وإنهاء الاحتلال أولًا من خلال تعزيز الوحدة الوطنية الواسعة في اطار منظمة التحرير بموازاة تطوير دورها كجبهة وطنية عريضة.
وفي ظل اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن، فإن السؤال لم يعد حول الحاجة المجردة إلى التغيير والتطوير، بل حول كيفية إنجازه بوعي ومسؤولية، بما يحفظ وحدة الحركة، ويعزز قدرتها على التجدد والديمومة، ويعيد تموضعها السياسي محليًا وإقليميًا ودوليًا على اساس القرار المستقل.
إن التحدي الحقيقي لم يعد في إدارة الواقع، بل في صناعته، وفي الانتقال من التكيف مع الأزمات إلى تجاوزها، عبر رؤية تنظيمية وسياسية مبادرة، لا تكتفي بردود الفعل، ورؤية اجتماعية واقتصادية متكاملة للبناء الوطني، تعيد الاعتبار للفعل الجماعي، وتؤسس لمرحلة أكثر تماسكًا وفاعلية، تستعيد فيها "فتح" دورها كقوة قائدة للمشروع الوطني التحرري والبناء المؤسسي الديمقراطي.
إن ما تحتاجه "فتح" اليوم ليس فقط إعادة ترتيب داخلي، بل وضوح في الاتجاه السياسي، ارادة وجرأة في اتخاذ القرار، واستعداد حقيقي لتحمل المسؤولية الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة. فالحركة التي قادت المشروع الوطني التحرري لعقود، مطالبة اليوم بأن تعيد إنتاج ذاتها، لا كاستجابة للأزمة، بل كمبادرة لصياغة مستقبل أبناء شعبنا.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها