في الحياة، لا ترفَ مطلقَ ولا تعبَ مطلقَ؛
هي تأخذ منّا أجمل أشيائنا قبل أن نراها تنضج بكامل وعيها وشغفها. تمضي بنا كما لو أنّها تختبر قدرتنا على الاحتمال، وتترك في القلب مساحاتٍ لا يملؤها إلا الحنين. وهكذا كانت حكاية أحمد قعبور… فنانٌ لبنانيُّ الهوية، فلسطينيُّ القلب والهوى، غنّى لوطنٍ لم تطأه قدماه، لكنه سكن صوته أكثر من خمسين عامًا.
في عام 1980، في بيت أطفال الصمود في بير حسن – بيروت، صدح قعبور لأول مرة بأغنية أناديكم، وكان آنذاك عضوًا في فرقة الكورس الشعبي بقيادة المايسترو اللبناني غازي مكداشي. كانت لحظة ولادةٍ تتجاوز الفنَّ إلى التاريخ. في الحضور كان الرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، الذي دبَّك على أنغامها، كأنّ الأغنية أيقظت في المكان وعدًا قديمًا. وبعد انتهاء الحفل، طلب أبو عمار من الأستاذ محمد الشولي، رئيس اتحاد الفنانين الفلسطينيين في لبنان، أن ينقل لقعبور رسالةً مفادُها أن كلَّ ما يطلبه سيكون موضعَ تلبية.
لم يتأخر الطلب. أراد قعبور إنتاج ألبومٍ يضم تسع أغنيات. فكان أن كُلِّف الدكتور نبيل عمرو، مدير إذاعة صوت فلسطين في بيروت آنذاك، بمتابعة التنفيذ. أُنجز الألبوم، وضمّ أغنياتٍ أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية، منها: “أناديكم”، “في الضفة”، “ارحل”، و“فلتسمع كل الدنيا”. لم يكن ذلك إنتاجًا فنيًا فحسب، بل كان احتضانًا لصوتٍ التحم بالقضية حتى صار أحد وجوهها الثقافية.
كما قامت وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله بتسمية شارعٍ باسمه تخليدًا لمسيرته ودوره الفني والوطني.
لكن الحياة، التي لا تمنح اكتمالها بسهولة، احتفظت له بغصّة. قبل رحيله بعشرة أيام، تواصل مع المخرج الفلسطيني محمد الشولي، يسأل عن جواز السلطة الفلسطينية، وعن إمكانية أن يزور فلسطين ولو مرةً واحدة. كان يريد أن يرى الأرض التي غنّى لها عمرًا كاملًا. وقبل أسبوعٍ تقريبًا من وفاته قال:
"كنت أتمنى قبل موتي أن أرى الأرض التي غنيتُ لها أكثر من خمسين سنة."
رحل قبل أن تتحقق الأمنية. رحل كما رحل آلاف اللاجئين الذين تمنّوا أن يشمّوا رائحة وطنهم ولم يفعلوا، وأن يتفيّؤوا سماءه ولم يُمهَلوا. كان صوته نغمتهم، وكان وجعه امتدادًا لوجعهم. هو حاله كحالنا؛ نعرف تمامًا ما هو الفقد، ونعرف من أين يُؤكَل الحزن، لأننا عشنا على تخوم الانتظار طويلًا.
لم يزر أحمد قعبور فلسطين، لكن أغنياته سبقت خطاه إليها. بقي صوته يعبر الحواجز، وتبقى “أناديكم” تُغنّى هناك، كأنها زيارةٌ مؤجلة لا تحتاج إلى جواز سفر. ففي بعض الأحيان، يكفي أن تُحبَّ الأرض بهذا القدر… حتى تصير أنتَ جزءًا من ترابها، ولو لم تمشِ عليه.