الضمير.. كلمة تمرّ، كما يومها الذي يصادف في الخامس من نيسان، مرورَ الكرام أمام أكثرية البشر. تمرّ خفيفة في الروزنامات، ثقيلة في الواقع، غائبة في الممارسة. وتتزاحم الأسئلة: هل أضحى الضمير ضحيةً أخرى، كضحايا الإنسان الذين يُقتلون في أنحاء العالم دون أن تهتزّ شوارب الأمم؟ هل صار الضمير فكرةً تجميلية تُرفع في الخطب، وتُعلّق على الجدران، ثم تُنزَع عند أول اختبار للمصلحة؟ لكن السؤال الأعمق: ما الذي أوصل البشرية إلى هذا الكمّ من التغافل، وإلى نسف هذه الكلمة والعمل بها، كما نُسفت المبادئ والأخلاق وأدبيات العصر؟
ليس هناك تحوّلٌ مفاجئ حدث. لم نستيقظ ذات صباحٍ بلا ضمير. إنها سيرورة طويلة من التراكمات، من السكوت المتكرر، من الجهل الذي تمدّد حتى صار قاعدة، من اعتياد القبح حتى أصبح مألوفًا، ومن تبرير الخطأ حتى فقد اسمه.
الجهل سيّد المشهد، وغياب الرؤية الصحيحة والعمق الفكري يجعل الإنسان مجرّد آلة تأكل وتشرب وتتكدّس، وتسمح للآخرين بالتحكّم بها.
وحين يفقد الإنسان وعيه بذاته وحقّه، يصبح قابلاً لإعادة التشكيل وفق مصالح غيره، لا وفق كرامته. في تلك اللحظة يبدأ الضمير بالتآكل. لا يموت فجأة، بل يُستنزف. يُساوَم عليه تحت ضغط الحاجة، ويُخنق تحت وطأة الخوف، ويُشوَّه تحت شعارٍ خطير مرّ علينا حتى ألفناه: الغاية تبرّر الوسيلة. وهنا تتحوّل الوسيلة إلى وحشٍ يبتلع الغاية نفسها.
إن انتشار الفقر، وصعود المتسلّقين والمنتفعين، وغياب الوعي الحقيقي والعمل الجاد على دحر الجهل، جعل الناس مسلوبة المشاعر. كما أنّ الانفتاح غير المنظّم على مظاهر الترف والمال غذّى نزعة المقارنة، والبشر بطبيعتهم يميلون إليها، فاستسهلوا كلّ شيء.. حتى التخلّي عن ثوابتهم.
وحين تُختزل القيمة في الامتلاك، ويُقاس الإنسان بما يملك لا بما يكون، يصبح الضمير عبئًا، ويغدو الالتفاف على الحق مهارة، والصمت فضيلة، والخوف حكمة.
هذه مجتمعات لا يحكمها الضمير، لأن الضمير والقانون متلازمان. حين يُطبَّق القانون على الغني والفقير بلا تمييز، وحين تعمل الدول وأصحاب السلطة على حفظ كرامة الناس، فإنهم يحفّزونهم على إعمال ضمائرهم.
فالعدل لا يحمي الحقوق فقط، بل يوقظ الضمائر. أما حين يغيب الحساب والعقاب، أو يتأرجح بين القوة والضعف تبعًا للمصالح، فإن الرسالة التي تُزرع في وعي الناس واضحة: لا قيمة للحق إن لم يكن مسنودًا بقوة. وهنا يبدأ الانهيار الصامت. لا يمكنك هزيمة مجتمعٍ متعلّمٍ مثقّف، يمتلك رؤيةً موحّدة حول وجوده وحقّه.
المعرفة تحصّن، والوعي يوحّد، والرؤية المشتركة تصنع من الأفراد جسدًا واحدًا يصعب كسره. لكن يمكنك أن تهزم مجتمعًا بأكمله إذا كان لا يعرف حقَّه، ولا يحاسب سارقيه، ويخشى قول الحقيقة في وجه من يعتبره وليَّ نعمته. المجتمع الذي يخاف المطالبة بحقّه يهزم نفسه قبل أن يهزمه خصومه. وحين تُربّى الأجيال على الامتنان بدل الكرامة، وعلى الطاعة بدل الفهم، وعلى التبجيل بدل النقد، يصبح الضمير كلمةً باهتة لا وظيفة لها.
إن الشريحة نصف المثقفة أخطر من الجاهلة، لأنها تملك نصف معرفة ونصف موقف ونصف شجاعة. والشريحة التي تُقدّس الأشخاص وتمنحهم صكوك العصمة، هي التي تفرغ القيم من مضمونها، وتجعل الخطأ مستمرًا بلا مساءلة.
وهكذا، لا يُقتل الضمير دفعةً واحدة، بل يُحاصر: بالجهل، بالفقر، بالخوف، بالمصلحة، وبثقافة تقديس البشر بدل الاحتكام إلى الحق. والحال لا يخفى على أحد.
لكن استعادة الضمير لا تكون بشعار، ولا بيومٍ عالمي، ولا بخطابٍ موسمي. إنها عملية طويلة تبدأ بالتعليم الحقيقي، وبترسيخ قيمة السؤال، وبإعادة الاعتبار للقانون العادل، وبإحياء فكرة أن الكرامة حقّ وليست منّة.
ربما نحتاج سنين طويلة لنستعيد إنسانيتنا، لكن البداية تكون حين يدرك الإنسان أن الضمير ليس ترفًا أخلاقيًّا، بل شرط وجود.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها