إن الحديث عن وضع مسودة الدستور الفلسطيني وتصعيد النقاش حولها في اللقاءات والحوارات القانونية والسياسية والمجتمعية يكتسي أهمية كبرى من ناحية دفع عملية وضع الدستور لتصبح جزء من حالة الانشغال والاهتمام الشعبي والمجتمعي، وهو ما يفرض بعض الاكراهات على واضعي الدستور باتجاه أن يكون هذا الدستور معبراً عن تطلعات وطموحات مختلف الفئات والمكونات الشعبية وتمثيل مصالحها واستياعبها ضمن نصوصه، باعتباره العقد السياسي الذي سيحكم علاقة هذه المكونات والفئات مع السلطة الحاكمة ويحدد كيفية القبض على السلطة (الوصول اليها وممارستها) في الجماعة السياسية، خاصة إذا تبنى واضعي الدستور الاستفتاء الشعبي كأسلوب أو طريق لاصداره، فيصبح مصير الدستور مرتبط بالارادة الشعبية ومدى قناعتها بأنه يلبي مصالح الأغلبية فيها .
لكن عملية وضع الدستور ليست مجرد عملة فنية تستهدف كتابة نصوص الدستور وصياغتها، بل هي عملية يتم من خلالها تبني ووضع الحلول القانونية أو الكادر القانوني لضبط الصراع على السلطة وتسويته وتنظيم كيفية تداولها، ومن أمثلة ذلك الصراع حول الصلاحيات التنفيذية وممارستها من قبل رئيس الدولة، فيأتي الدستور لحل هذا الصراع عبر استحداث مؤسسة رئاسة الحكومة (الوزراء) إلى جانب رئاسة الدولة مع منح رئيس الدولة بعض السلطات في مواجهة الحكومة باعتباره المسؤل الأول عن إدارة شؤون الحكم كاختيار رئيس الحكومة وتوجيه بعض سياساتها ومسؤلية رئيسها أمامه، أو الصراع بين البرلمان والسلطة التنفيذية حول ممارسة السلطة في الظروف الاستثنائية، فيشترط الدستور الحصول على موافقة البرلمان على تمديد حالة الطوارئ، مع اجبار السلطة التنفيذية على عرض كافة الاجراءات المتخذة خلال حالة الطورائ على البرلمان لاطلاعه عليها، لذلك فإن عملية وضع الدستور – كما أشرنا إليها في مؤلفاتنا - أداة الجماعة السياسية (الدولة) في ضبط الصراع على السلطة، ليصبح هذا الدستور مصدر الشرعية فيها في عميلة تدبير السلطة ونمط ممارستها، سواء من حيث بيان تشكل مؤسساتها واختصاصاتها والعلاقة فيما بينها والتي يتحدد على ضوئها طبيعة النظام السياسي الذي ينشده المشرع الدستوري (رئاسي، برلماني...) وإعادة انتاج السلطة إما بتمركزها أو تقاسمها وتشاركها بين هذه المؤسسات، أو من حيث علاقة تلك المؤسسات كسلطة حكم بالمحكومين، والتي تتأسس بناءً على مساحة الحقوق والحريات والضمانات والحماية التي يقرها الدستور، وبالتالي فإن وضع الدستور هو أشبه بتحديد الشرعية للقبض على السلطة من خلال اقرار المبادئ والقيم والقواعد التي تقوم عليها عملية بناء السلطة وممارساتها أوعلاقتها مع مكونات الجماعة السياسية .
وتصبح هذه العملية أكثر تعقيدا في مجتمعات لازالت تعيش تحت الاحتلال وفي ظل استمرار حالة الصراع والانقسامات البنيوية الداخلية، بحيث لا يكون التحدي هو في تداخل العوامل المؤثرة على عملية وضع الدستور ومساراتها ومخرجاتها، بل في الاشتباك بين هذه العوامل، بحيث تصبح مسألة وضع الدستور هي في حقيقتها موازنة بين متناقضات يؤدي عدم الاحتراس منها إلى نصوص متضاربة وغير منضبطة وغير قادرة على طرح حلول موضوعية أو إجرائية للتحكم فيها، والحالة الفلسطينية لا تشكل خروجاً على ذلك في ظل استمرار الاحتلال الذي يعد نقيضا لتوفير بيئة لانفاذ نصوص الدستور وتمكين مؤسساته من ممارسة السلطة وتمتع الفلسطينين بحقوقهم، بالاضافة للانقسام الذي يشكل نقيضا آخرا لمباشرة السلطة الدستورية ووحدتها في ظل ازدواجية البنى السياسية والمؤسسات التي تمارس السلطة وتحتكر القوة والعنف داخل الجماعة الساسية وغيرها من التناقضات التي أفرزتها المرحلة السابقة من صيرورة الشعب الفلسطيني، وهي تناقضات تتطلب من واضعي المسودة مراعاة أنه دستور يأتي في سياق استمرار مرحلة التحرر لدولة لازالت تخضع للاحتلال رغم تزايد الاعتراف الدولي بها وقدرة نصوصه على معالجة أسباب حالة الانقسام السياسي وعدم اعادة انتاجها كي لا تصبح نصوص الدستور وكأنها تعيش حالة اغتراب مع واقع الحالة الفلسطينية، هذا بالاضافة إلى مسألة أخرى ذات أهمية عند الحديث عن وضع الدستور وهي ضرورة التحوط من التناقض الذي قد يقع فيه واضعي الدستور عندما يتم التصدي لموضوعات الدستور كموضوعات منفصلة من حيث التنظيم الدستوري لها دون اخضاعها لمقاربة شمولية تتجاوز فكرة التقسيم والتبويب إلى النظر في مدى تفاعل نصوص الدستور ككل ومدى انسجامها مع الكتلة الدستورية والقيم التي تقوم عليها، ومن أمثلة ذلك أن يعتنق الدستور مبدأ التمثيل النيابي عبر الانتخاب لاختيار الهيئات التمثيلية (البرلمان) ضمن المبادئ العامة في الدستور، ثم يمنح في موضع آخر من الدستور سلطة حل البرلمان دون أية ضوابط أو قيود لسلطة تقديرية مجردة من أية التزام دستوري فيفسح المجال أمام هذه السلطة لتجاوز الارادة الشعبية عبر حل الهيئة النيابية التي تمثل هذه الارادة في حال تعارض المصالح، أو تبني المشرع الدستوري للنظام السياسي المختلط (رئاسي - برلماني) في بعض النصوص، مع التوجه في نصوص أخرى نحو تمركز الصلاحيات والسلطات في يد هيئة واحدة في الدولة بدلا من تشاركها وتقاسمها مع مكونات النظام السياسي أي الحكومة والبرلمان، أو عدم الأخذ بفكرة التوزان بين هذه السلطات كريكزة أساسية لنجاح النظام المختلط، وهي تناقضات أفرزت التجارب الدستورية المقارنة العديد من آثارها السلبية على صعيد ممارسة السلطة، فهي إما كانت تقود إلى صراع وتنازع على السلطة وعدم استقرار النظام السياسي، أو استقرار هذا النظام على أساس الانزياح نحو تمركز السلطة من الناحية الفعلية في يد هية واحدة، وهو ما أدى إلى تراجع منظومة الحقوق والحريات وأطر حمايتها وضمانتها، ولعله من أمثلة ما قد يعتري النصوص الدستورية من تناقض وفي سياق التجربة الفلسطينية ومن باب التذكير والاستفادة من هذه التجربة ما جاء به القانون الأساسي المعدل لعام 2003 الذي تبنى نظام سياسي مختلط (رئاسي- برلماني) أكثر وضوحاً من القانون الأساسي لعام 2002 عبر توجهه نحو الأخذ بثنائية السلطة التنفيذية، لكن مع اقتصار التعديلات على باب السلطة التنفيذية وخاصة الأحكام المتعلقة بالحكومة، دون الأخذ بعين الاعتبار أن هذه التعديلات يجب أن تطال فلسفة المشرع في القانون الأساسي لعام 2002 في مختلف أحكامه لاختلاف النظام السياسي الذي تبناه هذا القانون عما أخذ به القانون الأساسي لعام 2003، حيث لم يتجه المشرع في تعديلات 2003 إلى تقوية مركز الحكومة في المجال التنفيذي كلازمة ضرورية لنجاح النظام المختلط، كما لم يعمد إلى تقوية مركزها في مواجهة البرلمان، ففي مقابل مجلس تشريعي قادر على إسقاط الحكومة عبر سحب الثقة منها أو من رئيسها، فإنه ليس للحكومة اقتراح حل المجلس على الرئيس، مما ساهم في إهدار أحد الأسس التي يقوم عليها النظام المختلط وهي التوازن بين السلطات، وبالتالي لم يستطع القانون الأساسي الانسجام مع طبيعة النظام المستحدث واستحقاته في ظل هذه التناقضات، مما أفضى إلى عدم قدرته في تبني حلول ناجعة في حالة الخلاف بين السلطتين بما في ذلك حالة وجود أغلبية مغايرة في البرلمان لأغلبية الرئيس، مما ساعد في استمرار حالة الانقسام السياسي، وهو ما سعت مسودة الدستور إلى تداركه إلى حد ما.
ودون التعمق أكثر في فلسفة وجدلية المشكلة الدستورية وأزمتها الفكرية والنظرية ومقارباتها العملية في مجتمعات ما بين الصراع، فان وضع مسودة دستور فلسطين لعام 2026 يشكل خطوة هامة وذلك بالانتقال من قانون أساسي مؤقت لسلطة انتقالية إلى دستور لدولة حتى وإن كان دستورا مؤقتاً، بالاضافة إلى ما تضمنته المسودة من مبادئ ونصوص تعكس التوجه إلى حد معين نحو دستور يشكل حاضنة ومرجعا للمرتكزات الديمقراطية التي يتأسس عليها النظام السياسي الذي اعتنقته المسودة وضمان الحقوق والحريات، لكن هذه المسودة لم تخلو من بعض الملاحظات المنهجية.
لكنه وبعيدا عن الخوض في تفاصيل النصوص التي تأثرت بصورة واضحة بنهج المشرع في المسودة، فإننا نورد في هذه المقالة جزء من تلك الملاحظات المنهجية بناءً على قراءة سريعة وأولية للمسودة، علماً بأن هذه المسودة تتطلب مزيد من القراءات واخضاعها للمسائلة النقدية والمعرفية من حيث مدى استجابة نصوصها ومنطلقتها الفكرية الدستورية لخصوصية الحالة الفلسطينية وحدود تفهمها للتشكلات والموروث المجتمعي والبنيوي والسياسي الفلسطيني وقدرتها على إحداث التغيير الايجابي بعد عقود من الانقسام وغياب وحدة البنى المؤسسية للنظام السياسي في الضفة وغزة ومنظومة المشاركة السياسية في صورتها الجمعية وتراجع حالة الحقوق والحريات، مع الاشارة إلى أن هناك العديد من المداخل التي يمكن من خلالها فهم وتحليل نصوص الدستور وتقديم قراءات سيسولوجية لها، مثل دراسة المبادىء العامة للتنظيم الدستوري في المسودة ومدى انسجام نصوصها مع هذه المبادئ، كيفية تنظيم التداول على السلطة، طبيعة نظام الحكم، منظومة الحقوق والحريات، القيم الدستورية للمواطنة واستحقاقتها الدستورية، الضوابط الدستورية الاستثنائية، المنظور الدستوري لسلطة تحت الاحتلال، والتحوط والاحتراس الدستوري في تدبير السلطة والعلاقة مع المحكومين، وغيرها من المداخل المعرفية التي تتطلب دراسات أكثر تعمقاً في مسائلة ومحاكمة نصوص المسودة.
ومن الملاحظات الأولية على المسودة ذات الطابع المنهجي في التنظيم الدستوري، والتي سنذكر جزء منها على سبيل المثال لا الحصر، حيث من جهة لا يتسع المقام لتناول جميعها، ولايمكن الزعم بأن مقالة مثل هذه أو حتى دارسة بحثية واحدة قادرة على الاحاطة بكافة مقتضيات التقييم والدراسة للنهج الدستوري في المسودة ونصوصها، ومن جهة أخرى أن التركيز على نهج المشرع في قراءة المسودة في مثل هذه الحالات قد يكون أكثر جدوى من الدخول في تفاصيل النص الدستوري، فنهج المشرع هو الذي يحكم النص ومن ثم تصبح عملية تناول الملاحظات المنهجية بمثابة أداة لتوجيه عملية اعادة النظر في بعض النصوص ومضمونها وتسهم بفعالية في تدارك ما قد يعتريها من اشكاليات، ومن هذه الملاحظات ما يلي:
*- اشتملت المقدمة على موضوعات متعددة تصلح لأن تكون جزء من مضمون الدستور وكمحددات مرجعية له، مثل الوضع القانوني لدولة فلسطين كدولة تحت الاحتلال، حقوق الشعب الفلسطيني الغير قابلة للتصرفب، مكانة منظمة التحرير الفلسطينية في النظام السياسي الفلسطيني، هوية الدولة، اعلان الاستقلال لعام 1998 وقيمته ومكانته في الكتلة الدستورية، الموقف من قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، بعض المبادئ الدستورية والحقوق والحريات، مكانة بعض الفئات الاجتماعية، وغيرها من الموضوعات الأخرى، التي يفترض أن تستجيب عملية اقحامها في الدستور لخصوصية الحالة الفلسطينية، من خلال دستور قادر على استعياب هذه الخصوصية وعدم الاحتكام لمحاكاة التجارب الدستورية المقارنة التي لها ظروفها المغايرة لخصوصية الحالة الفلسطينية، حيث يمكن للمشرع وفي ظل اعتناقة الطابع المؤقت لهذا الدستور وضع باب أو أحكام خاصة تنطلق من طبيعة المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني كجماعية سياسية ودولة تحت الاحتلال، وتكون محددة لموقف الدستور في نصوص واضحة تجاه القضايا المصيرية وحقوق الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال ومرتكزاته في معركة التحرر وسعيه لنيل استقلاله وبناء مؤسسات الدولة وتكون منسجمة مع التوافقات التي أنتجتها الحوارات الفصائلية والاتجاهات الشعبية وتنسجم من الحقوق الفلسطينة التي تحظى بقدر مقبول من توافق الكل الفلسطيني، كما لا يوجد ما يمنع من تدشين نصوص دستورية أخرى تراعي خصوصية وازداوجية بنية النظام السياسي الفلسطيني في أول دستور فلسطيني باعتبارها حالة لم تشهدها التجارب السياسية والدستورية المقارنة، في ظل وجود منظمة التحرير التي لها منظومتها البنيوية والقانوية المغايرة عن بنية ومنظومة مؤسسات الدولة التي ينشدها الدستور، فتحدد العلاقة بينهما والمرجعيات السياسية والقانونية التي تحتكم لها، حيث اكتفت مقدمة المسودة والمادة 11 منها في باب الأحكام العامة بالنص الذي جاء بصيغة التأكيد على مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، دون أي تحديد في المسودة للأسس الدستورية التي تقوم عليها العلاقة بين المنظمة والدولة، وهي علاقة في حاجة ماسة لاقرار ضوابطها الدستورية في ظل ما أفرزته التجربة الفلسطينية بعد قيام السلطة الوطنية عام 1994 من اشكاليات عملية وقانونية على صعيد تلك العلاقة التي لا زالت تعمل خارج نطاق أي تنظيم دستوري أو قانوني باستثناء بعض النصوص الجزئية، كالنص في التشريعات الانتخابية على أن أعضاء المجلس التشريعي يصبحون بمجرد انتخابهم أعضاء في المجلس الوطني للمنظمة، وهو نص غير قادر على تنظيم العلاقة بين هاذين المجلسين وتقديم حلول لإشكالياتها، والتي منها وليس حصرا ممارسة كل مجلس لسلطاته في مواجهة الأعضاء، لا سيما سلطة المجلس الوطني في مواجهة أعضاء المجلس التشريعي وأثر قراراته في مواجهة هؤلاء في ظل وجود النظام الداخلي للمجلس التشريعي، ونذكر هنا على سبيل المثال أثر اسقاط المجلس الوطني عضويته عن عضو المجلس التشريعي وفيما اذا كانت تؤدي إلى اسقاط عضويته أيضا في هذا الاخير أي في المجلس التشريعي، وهل هذا الأثر يشمل جميع حالات اسقاط العضوية حسب اللائحة الداخلية للمجلس الوطني، فإذا كانت مثل هذه المسألة وحدها تثير هكذا اشكاليات تتطلب معالجة قانونية لها، فكيف اذا بالنسبة للعلاقة بين مؤسسات المنظمة والدولة ومجالات عمل واختصاصات كل منهما، هذا لا يعني أن مسودة الدستور مطالبة بتقديم حلول جزئية لهذه الاشكاليات، بل وضع الأسس والركائز الدستورية لضبط العلاقة بين مؤسسات المنظمة الدولة وتحديد الجهات التي يناط بها اقرار التشريعات التي تضع تلك الأسس والركائز موضع النفاذ .
*- تم صياغة المقدمة في العديد من أجزائها بعبارات انشائية وأدبية أكثر من كونها صياغة لقيم تأسيسية للدستور رغم أنها تشمل موضوعات يفترض أن تكون من صلب الدستور، لا سيما وأن مثل هذه الصياغات قد تؤدي إلى اشكاليات عند التطبيق وإعمالها من قبل سلطات الحكم، علما بأن بعض الدساتير عندما تتجه لمثل هذه الصياغات في مقدماتها غالبا ما تكون لايراد الموروث التاريخي للجماعة السياسية والتحولات الكبرى التي مرت بها وتطلعاتها المستقبلية، في حين تتجه في هذه المقدمات لصياغة أكثر اتساقا مع النسق القانوني عندما تورد القيم والمبادئ التأسيسية للجماعة ومصدر السيادة والسلطة فيها، ومن أمثلة ذلك دستور جنوب أفريقيا لعام 1996 وتعديلاته ودستور الهند لعام 1949 وتعديلاته والدستور التونسي لعام 2014 وتعديلاته، كما أن الصياغة الأدبية والانشائية لبعض الموضوعات الدستورية في مقدمة الدستور قد تثير بعض الاشكاليات العملية باعتبارها أيضا – أي مقدمة الدستور- مرجعا للرقابة الدستورية عندما تثار مسألة تعارض الأعمال التي تخضع لرقابة الدستورية مع مقدمة الدستور إذا ما نص الدستور على اعتبار مقدمته جزء منه، وهو ما سارت عليه المسودة التي أقرت في المادة 25 منها أن جميع مكوناتها بما في ذلك مقدمته جزء لا يتجزأ من الدستور، وهنا يمكن الاستشهاد بمقدمات لدساتير مقارنة جاءت لتحديد المبادئ والقيم التي يتأسس عليها الدستور بنصوص أكثر وضوحا من مجرد الصياغة الأدبية والانشائية، ونذكر مثال على ذلك ما جاء في مقدمة الدستور الاسباني لعام 1978 وتعديلاته التي نصت على أن "الأمة الإسبانية، راغبة في إقامة العدل والحرية والأمن وتشجيع ما هو في صالح شعبها، وفي إطار ممارستها لسيادتها، تعلن عن إرادتها في: ضمان التعايش الديمقراطي طبقا للدستور والقوانين ووفقا لنظام اقتصادي واجتماعي عادل، توطيد دولة القانون التي تضمن سيادة القانون كتعبير عن الإرادة الشعبية،. حماية كل الإسبان وكل شعوب إسبانيا في ممارستهم لحقوق الإنسان وثقافاتهم وتقاليدهم ولغاتهم ومؤسساتهم، تشجيع الازدهار الثقافي والاقتصادي لضمان حياة كريمة للجميع، .إنشاء مجتمع ديمقراطي تقدمي، والمساهمة في توطيد العلاقات السلمية والتعاون الفعال بين جميع شعوب الأرض"، وما جاء في مقدمة الدستور التركي لعام 1982 وتعديلاته التي نصت على أن هذا الدستور يسعى لتحقيق " ..السيادة المطلقة لإرادة الأمة، وحقيقة أن السيادة معهودة كلية ودون شرط بالأمة التركية وأنه لا ينبغي لأي فرد أو هيئة مفوضة بممارسة هذه السيادة باسم الأمة أن تحيد عن الديمقراطية الحرة المشار إليها في هذا الدستور والنظام القانوني المؤسّس بموجب متطلباته، وفصل السلطات، الذي لا يتضمن ترتيب أسبقية بين أجهزة الدولة، لكنه يشير فقط إلى ممارسة سلطات معينة من سلطات الدولة وإلى تنفيذ الواجبات، وهو منحصر في التعاون والتقسيم المستنيرين للمهام؛ وحقيقة أن الدستور والقوانين وحدها لها السيادة؛ وأنه لا تُمنح أي حماية لنشاط يُضاد المصالح الوطنية التركية، والوجود التركي، ومبدأ عدم قابليتها للانقسام بدولتها وأراضيها، ....؛وأن كل مواطن تركي له حق فطري في أن يحيا حياة شريفة وأن يحسِّن من رفاهه المادي والروحي تحت رعاية الثقافة والحضارة الوطنيتين وحكم القانون ومقدرة على ذلك، عبر ممارسة الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، بالتوافق مع متطلبي المساواة والعدل الاجتماعي؛.." فمثل هذه المقدمات جاءت أكثر انضباطا وتحديدا للمبادئ والقيم الفكرية التي ينطلق منها الدستور كأساس لقيام الجماعة السياسية وكمنظومة معيارية في حماية الحقوق والحريات وتدبير السلطة وشرعية الوصول اليها وومارستها.
*- أوردت المسودة في الباب الأول منها ما يسمى بالأحكام العامة، لكنها إحتوت على مبادئ سياسية واجتماعية واقتصادية وقانونية وحقوقية، وهو ما يعكس حالة خلط في المسودة، فالأحكام العامة يناط بها بيان شكل الدولة ونظامها السياسي وهويتها ودينها ولغتها ومصدر السلطات فيها، وتأتي في صيغة نصوص واضحة ومحددة ضمن الباب الأول من الدستور نظرا لتعدد موضوعاتها واختلافها مما يجعل من الصعب امكانية استياعبها ضمن الأبواب الأخرى من الدستور التي تُخصص لتنظيم سلطة أو موضوع محدد، لذلك تأتي ضمن باب الأحكام العامة، بينما المبادئ تعكس القيم والأفكار والمرتكزات الدستورية وتشكل مرجعية لتفسير وفهم نصوص الدستور وفلسفته مثل مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء والمساواة والعدالة وحماية الحقوق والحريات والمبادئ التي يقوم عليها النظام الاجتماعي والاقتصادي، وتكون مقسمة إلى مبادئ قانونية وسياسية واقتصادية واجتماعية يمكن ايرادها في باب مستقل هو المبادىء العامة، كما يمكن أن يرد جزء منها في بعض أبواب الدستور بحكم ارتباطها بالتنظيم الوارد فيها، حيث يلاحظ أن الأحكام العامة وإن تضمنت بعض ما يدخل ضمن هذه الأحكام، إلا أنها تارة تورد مبدأ سياسي وتارة مبدأ اجتماعي وتاره مبدأ قانوني دون ترتيب، مما يخل بانسجام نصوص الدستور والنهج التشريعي، وهو ما قد ينجم عنه وجود عدة اشكاليات عند تفسير النصوص الدستورية والوقوف على فلسفة المشرع عند الحاجة لهذا التفسير.
*- بعض الصياغات التي وردت في باب الأحكام العامة جاءت أقرب للفقرات والعبارات وليس في صورة بنود تكرس التزام أو مبدأ أو حق دستوري، من أمثلة ذلك المادة 17 من المسودة التي تحدثت عن الانتخابات، فهذه المادة ورغم أنها تتعلق بالحق في الانتخاب والعملية الانتخابية، وهو ما لا يعتبر جزء من الأحكام العامة، نجدها أيضا قد أوردت بعض الضمانات في صيغة عبارات وفقرات بدلاً من ايرادها في صيغة بنود يكون كل بند فيها تكريساً لضمانة محددة، لذلك بدت هذه الصياغة أقرب لأن تكون تعبيراً عن رؤية المشروع تجاه هذه الضمانات اكثرمن أنها تحديدا لتلك الضمانات الدستورية بنصوص دستورية واضحة، فالرؤية أو خطة المشرع هي من تحكم عملية وضع النص وليست بديلا له، وهنا يمكن التنويه أنه ولأهمية الانتخاب كأداة لاسناد السلطة وشرعيتها نجد أن المشرع الدستوري المقارن ومنه المشرع في الدستور البرازيلي لعام 1988 وتعديلاته والدستور الأوكراني لعام 1996 وتعديلاته قد أفرد نصوص خاصة ضمن باب أو فصل مستقل للحق في الانتخاب لمزيد من التكريس الدستوري لهذا الحق وتحديد الضمانات التي تكفل تحقق الغاية من ممارسته عبر انتاج سلطة تمثل وتعبّر عن الإرادة العامة .
*- اتجهت المسودة إلى إيراد التنظيم الدستوري المتعلق برئيس الدولة والسلطة التنفيذية قبل التنظيم الدستوري للسلطة التشريعية، بخلاف الدساتير المقارنة كالدستور المصري لعام 2014 والدستور العراقي لعام 2005 وتعديلاته وتعديلاته والدستور التونسي لعام 2014، التي استهلت دستورها عند تناولها للسلطات العامة والدستورية بالسلطة التشريعية (البرلمان)، وهي مسألة تتجاوز مسألة الترتيب لتحمل في طياتها مكانة هذه السلطة في النظام السياسي والأولوية التي منحها الدستور لها، فإيراد المشرع الدستوري للبرلمان كأولى السلطات عند تناوله لمؤسسات الحكم لا يعكس فقط إقرار المشرع به كسلطة مركزية في ذاتها بل أيضا يكرس ضمنا مركزية مصدر هذه السلطة والشرعية (الشعب) ورمزية وحضور الإرادة الشعبية في نصوص الدستور، وهو توجه سلكه المشرع في العديد من الدساتير المقارنة أيضا كالدستور المكسيكي المعدل لعام 2007، والدستور التركي لعام 1982 وتعديلاته والدستور الأوكراني لعام 1996 وتعديلاته ودستور جنوب افريقيا لعام 1996 وتعديلاته، هذا بالاضافة إلى أن المسودة أوردت الباب الثالث تحت عنوان رئيس الدولة فيما أوردت الباب الرابع تحت عنوان السلطة التنفيذية لتخرج رئيس الدولة من نطاق هذا المسمى، وهو ما لا يتسق مع اعتباره هرم السلطة التنفيذية على الأقل من الناحية الشكلية في الصياغة، حيث اتجهت التجارب الدستورية المقارنة إما إلى ايراد الرئيس إلى جانب الحكومة تحت مسمى السلطة التنفيذية كما هو الحال في الدستور المصري لعام 2014 وتعديلاته والدستورالتونسي لعام 2014، أو ايراده تحت عنوان رئيس الدولة أو الجمهورية إلى جانب إيراد مسمى الحكومة بدلا من السلطة التنفيذية وهو ما أخذ به الدستور الفرنسي لعام 1958 وتعديلاته.
*- عدم نهج المسودة الاعتراف الصريح بالجنس لصالح المرأة أو النساء عند ايرادها للمبادئ الأساسية للحقوق والحريات، فصحيح أن استخدام مصطلح الفلسطينيون يخاطب المواطن بصفته هذه وليس بجنسه، لكن تبقى الجماعات السياسية التي تشهد عدم حضور المرأة وتأثيرها في صنع القرار ومشاركتها في الحياة السياسية وإدارة الشأن العام، في حاجة إلى تدخل ايجابي من قبل المشرع الدستوري لاحداث التغيير في منظومة الحقوق والحريات من خلال الاعتراف الصريح بالمرأة وتكريس دورها كفاعل سياسي ومجتمعي، فقد لا يكون مثل هذا التدخل مطلبا في الجماعات السياسية التي تحتل فيها المرأة ذات مكانة الرجل في الوعي الجمعي للجماعة للسياسية بحكم منظومتها القيمية الداعمة للمشاركة الفاعلة للمرأة في تدبير الشأن العام، بخلاف الجماعات الأخرى التي تميل الثقافة السائدة فيها نحو عزل المرأة عن هذه المشاركة، مما يقتضي ذلك التدخل الذي قد يكون أحد وسائله هو النصوص الدستورية الناظمة للحقوق والحريات لا سيما على صعيد المبادئ التي تقوم عليها، بحيث يتجاوز اللجوء للتأنيث حدود اللغة والصياغة ليعكس شحنة دستورية أكثر اعترافا بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل، وهو ما يفرض مزيداً من الاكراهات والالتزامات على السلطات في الدولة (التشريعية والتنفيذية) نحو تكريس ومراعاة حقوق النساء سواء على صعيد ممارسة الوظيفية التشريعية أو على صعيد السياسات التي تتبعها السلطة التنفيذية، بل قد يكون ذلك بمثابة الأساس الدستوري الذي ينطلق منه المشرع فيما يقره من قوانين نحو تكريس المساواة الفعلية في الحقوق عبر التمييز الايجابي لصالح النساء كنظام الكوتا الذي أغفله المشرع في المسودة، وهو ما قد يتأتى بالنص صراحة في الدستور على المرأة أو النساء في المبادئ التي تتأسس عليها المنظومة الدستورية للحقوق والحريات، كمبدأ المساواة في الحقوق والحريات، وهو ما سلكته بعض الدساتير المقارنة كالدستور البرازيلي لعام 1988 وتعديلاته في المادة 226، والدستور الأوكراني لعام 1996 وتعديلاته في المادة 24 منه، والدستور التركي لعام 1982 وتعديلاته في المادة 10 منه، حيث نصت هذه المواد صراحة على المساواة بين الرجال والنساء في التمتع بالحقوق والحريات، فمثل هذه النصوص في أي دستور تشكل الأساس نحو أي تمييز تشريعي لصالح المرأة اذا ما كان يستهدف ضمان تمتعها بهذه الحقوق والحريات وتحقيق المساواة الفعلية التي ينشدها الدستور.
*- ربطت مسودة الدستور حقوق الشعب الفلسطيني كالحق في الاستقلال وحق العودة بقرارات الشرعية الدولة دون تحديد سقف لهذه القرارات للحد الذي يمكن قبوله فلسطينيا ويكفل هذه الحقوق، حيث جعلت الباب مشرعا أمام كافة قرارات الشرعية الدولية كمحدد لتلك الحقوق، دون تقييدها بالقرارات التي تنتصف صراحة للشعب الفلسطيني وتعترف بحقوقه الغير قابلة للتصرف، خاصة وأن مصطلح الشرعية الدولية هو بالأساس مصطلح فقهي مرن وغير ثابت وقد يجمع في طياته كافة القرارات الصادرة عن الأجهزة الأممية بما في ذلك تلك التي أجحفت بحقوق الشعب الفلسطيني، وهو ما تنبه له اعلان الاستقلال الفلسطيني لعام 1988 الذي نص صراحة على القرار 181 الصادر عن الجمعية العامة عام 1974 باعتباره القرار الذي يوفر شروطا للشرعية الدولية التي تضمن حق الشعب العربي الفلسطيني في السيادة والاستقلال الوطني، بل أن الاعلان إنطلق أيضا من المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم لعام 1919 ومعاهدة لوزان لعام 1922 التي اعترفت بالشعب العربي الفلسطيني كشعب حر ومستقل كباقي الشعوب التي كانت تتبع الدولة العثمانية، باعتبار أنها تشكل إلى جانب القرار 181 الإطار القانوني الدولي الذي يكفل حقوق الشعب الفلسطيني، لذلك فإن مسودة الدستور مطالبة بتبني محددات رئيسية للشرعية الدولية التي يمكن أن يتشكل منها الإطار القانوني الدولي للحقوق الفلسطينية.
*- اقحام مسائل متعددة وتنظيمها ضمن ذات النص رغم اختلاف موضوعها، وهو ما يعكس تزاحم الأفكار والموضوعات لدى واضعي المسودة دون ضبط عملية ايرادها، ومن أمثلة ذلك المادة 16 التي أقحمت حماية البيئة والمناخ ضمن تعهد دولة فلسطين باحترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وحقوق الانسان وهي مسائل والتزامات قانونية، تختلف عن مشاركة دولة فلسطين في حماية البيئة والمناخ وفق الصيغة التي تبنتها المادة، بالاضافة إلى المادة 97 بعنوان اختصاصات الحكومة التي استهلتها المسودة في البند الأول من هذه المادة بمسؤلية الحكومة الجماعية والتضامنية رغم أن هذه المادة جاءت لتحديد اختصاصات الحكومة وليس لتنظيم مسؤليتها أما مجلس النواب، كذلك المادة الأولى من المسودة في البند الثاني منها والتي اعتبرت المساءلة والشفافية من المبادئ التي يقوم عليها الحكم في فلسطين، رغم أن المبادئ التي يوردها الدستور عند تعرضه لنظام الحكم تركز على المبادئ الناظمة لكيفية ممارسة السلطة السياسية في حين أن المسائلة والشفافية تتعلق أكثر بأداء الوظيفة العامة سواء من الأشخاص المنتخبين أو المعينيين وترتبط بفكرة حوكمة الإدارة أو الإدارة الرشيدة.
*- تأثر المسودة بالظروف الراهنة التي يمر بها الشعب الفلسطيني عند وضع المسودة، وهو ما بدا واضحا في عدة مواد، منها المادة 24 التي ذكرت جريمة الابادة الجماعية دون باقي الجرائم عندما أقرت بالتزام دولة فلسطين بحماية ضحايا هذه الجرائم وملاحقتهم أمام القضاء، علما بأن فلسطين تخضع لعدوان مستمر أخذ يتصاعد بصورة غير مسبوقة منذ عام 2008، وهو عدوان وحسب العديد من التقارير الدولية والقرارات الأممية ارتكب الاحتلال خلاله لا سيما في السبعة عشر عام الأخيرة جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية بصورة مستمرة إلى جانب جريمة العداون ذاتها وجريمة الابادة الجماعية، وهو ما كان يقتضي من المشرع في المسودة اتباع نفس النهج تجاه هذه الجرائم وبصورة واضحة عند الحديث عن حماية ضحاياها والملاحقة القضائية لمرتكبيها، صحيح أن جريمة الإبادة الجماعية رتبت آثار كارثية لم يشهدها الشعب الفلسطيني منذ عام 1947، لكن الجرائم الدولية الأخرى التي ارتكبها ومازال الاحتلال الاسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده خاصة في غزة والضفة لا تقل خطورة في تهديد الوجود الفلسطيني ذاته عن جريمة الابادة الجماعية، مما يستدعي دسترة حماية ضحايا كافة الجرائم الدولية وملاحقة مرتكبيها كما هو الحال في جريمة الابادة الجماعية .
* اتجه المشرع في المسودة في المادة 69 نحو تبني نص يتسم بالعمومية بشأن معاقبة القانون على الجرائم الدولية المنصوص عليها في ميثاق روما وانتهاكات حقوق الانسان وعدم سقوط كلاهما بالتقادم، مما يشي برغبة المشرع - وفي ظل عمومية النص- بالجمع في المعالجة الدستورية بشأن عدم الافلات من العقاب بين تلك الجرائم وبين انتهاكات حقوق الانسان بما في ذلك الانتهاكات التي قد ترتكبها السلطة الحاكمة، ويؤيد هذا التحليل عدم وجود نص آخر يتعلق بانتهاكات سلطة الحكم لحقوق الانسان، بخلاف القانون الأساسي لعام 2003 الذي أورد نص خاص بها في المادة 32 التي ألزمت السلطة أيضا بتعويض المتضرر من تلك الانتهاكات وهو ما لم تنص عليه المسودة، وتكمن خطورة تبني المسودة لمثل هذه المقاربة في ايراد النص الدستوري بشأن الجمع بين تلك الجرائم والانتهاكات في أنها قد تُفَسّر كتوجه في عدم التفرقة بين ما يرتكبه الاحتلال من جرائم دولية ضد الشعب الفلسطيني وبين انتهاكات السلطة الحاكمة، ويؤشر على أن المسودة تقر بأن تلك الجرائم ليست أقل خطورة من انتهاكات السلطة الحاكمة، وهو ما يتنافى مع ما يتعرض له الشعب الفلسطني منذ عقود من عدوان مستمر ارتكبت خلاله جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة التي لا يمكن مساواتها وتداعياتها الوخيمة على الشعب الفلسطيني ومصيره بالإنتهاكات التي قد ترتكبها السلطة الحاكمة، لا نروم من ذلك إلى التقليل من أثر انتهاكات السلطة الحاكمة وضرورة تصدي المشرع الدستوري لتجريمها والاقرار بعدم تقادم جرائمها، وإنما إلى ضرورة تبني معالجة دستورية تراعي خضوع الشعب الفلسطيني لاحتلال يرتكب بحقه أبشع الجرائم في تاريخ البشرية، وعدم افساح المجال لاستغلال تلك المقاربة في المسودة باعتبارها تعكس وجهة نظر واحدة تجاه هذه الجرائم وما قد ترتكبه سلطة الحكم من انتهاكات.
*- عدم اتباع المشرع نهج واضح في ايراد الحقوق والحريات وتقسيماتها، ومن أمثلة ذلك أن المسودة استهلت الحقوق والحريات بالنص على الحقوق المدنية ثم أوردت الحقوق السياسية ثم تداخلت في ايراد الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ثم عادت وتناولت بعض الحقوق المدنية المرتبطة بالشخصية، كالمادة 62 بشأن الحق في التقاضي التي جاءت بعد النص على حقوق سياسية واجتماعية واقتصادية، وكذاك المادة 63 التي نصت على الحق في الحماية من اشكال العنف الجسدي، فمثل هذا النهج قد يتم تفسيره على أنه يتعدى من الناحية الشكلية مجرد التداخل وعدم مراعاة الترتيب في ايراد الحقوق لتعكس من الناحية الموضوعية إعطاء المشرع الأولوية لحقوق على حساب أخرى، مع أن الحق في التقاضي وضمان الحماية من العنف الجسدي تعتبر من الحقوق ذات الأهمية في مكانتها ضمن منظومة الحقوق المدنية والشخصية.
*- عدم اتباع نهج محدد في ايراد الضمانات المتعلقة بالحقوق والحريات، فتارة يورد حقوق بدون النص على الضمانات مثل المادة 42 المتعلقة بحرية الاقامة والتنقل، والمادة 53 المتعلقة بالحق في التجمع، وتارة يورد حقوق في نص ثم يورد الضمانات المتعلقة بها في نص آخر، مثل المادة 49 بشأن الحق في تأسيس الاحزاب والمادة 51 بشأن الحق في تشكيل الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، ثم أورد ضمانات تتعلق بهذه الحقوق في المادة 52، في مقابل ذلك أورد بعض الحقوق وضمانتها في ذات النص مثل المادة 46 بشأن الحق في السكن والمادة 47 بشأن الحق في التعليم، إن مثل هذا النهج قد يوحي بعدم اكتراث المشرع بضمانات حقوق وحريات تتطلب أن يتم تكريس حمايتها في نصوص الدستور لتشكل قيود على المشرع العادي.
*- اتباع نهج غير محكم في ايراد الضمانات الخاصة بجزء من الحقوق، مثل الحق في تشكيل الأحزاب وتشكيل النقابات، حيث أوردت المسودة هذه الحقوق في نصوص، ثم جاءت في نص أخر لذكر ضمانتها، وهو ما لم تعهده الدساتير المقارنة حيث يتم ايراد الضمانات الخاصة بكل حق ضمن النص المتعلق بهذا الحق، ناهيك على التفرقة بين الأحزاب والنقابات وبين الجمعيات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية من حيث ضمانة عدم جواز حلها إلا بحكم قضائي، حيث أن المادة 52 من المسودة كفلت هذه الضمانة للأحزاب والنقابات، بينما أحالت في ذات المادة للقانون بشأن حل الجمعيات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية، وهو ما يفسح المجال أمام المشرع العادي نحو منح صلاحية حلها للسلطة التنفيذية دون أية قيود وضوابط دستورية.
*- اتجاه المسودة في حماية بعض الحقوق والحريات نحو التركيز على الضمانات الإجرائية أكثر من مرتكزاتها وضمانتها الموضوعية التي تشكل الموجه والأساس للضمانات الاجرائية، ومن أمثلة ذلك أن المادة 31 لم تتأسس على اعتبار أن ابلاغ الشخص المقبوض عليه بأسباب القبض يشكل حقا له ويمثل قيدا على الجهة التي قامت بالقبض عليه انطلاقا من طبيعته وموضوعه كحق، وإنما علقت هذا الابلاغ على رغبة المقبوض عليه دون الاقرار به كالتزام لضمان إعمال هذا الحق.
*- اعترى المسودة في بعض موادها التكرار أو التزيد الذي لا حاجة له، ومن أمثلة ذلك المادة 51 من المسودة بشأن تأسيس الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، حيث تضمن فقرتين أوردتا ذات القيد على التأسيس وممارسة نشاطها والذي يجب أن يكون حسب هاتين الفقرتين وفق القانون ثم جاءت الفقرة الرابعة منها وبصورة ضمنية لتنص على ذات القيد أيضا، كذلك المادة 92 التي نصت على اختصاصات الحكومة في صيغة فقرة دون ايرادها في بنود، ثم جاءت المادة 97 لتعيد النص على ذات الاختصاصات في صورة بنود وإن كانت في صيغة أخرى لكنها من حيث مضمونها نصت على الاختصاصات ذاتها، كذلك النص في المادة 87 فيما يتعلق بصلاحيات الرئيس على اختصاصه بتعيين ثلاثة قضاة من قضاة المحكمة الدستورية ثم أعادت النص على ذات الاختصاص في المادة 138 عند تصديها لتنظيم المحكمة الدستورية.
*- لم تتبع المسودة أحيانا نهج وحدة التوجه الدستوري ونصوصه في كيفية تنظيمها لذات الموضوعات أو الموضوعات المترابطة، وهو ما أدى تناقض هذه النصوص، ومن أمثلة ذلك تنظيم حجب الثقة عن الحكومة، حيث منحت الفقرة الرابعة من المادة 117 لعشرة أعضاء من مجلس النواب الحق في التقدم بطلب لرئيس المجلس لعقد جلسة خاصة لطرح حجب الثقة عن الحكومة أو أحد وزرائها، في حين أن الفقرة الأولى من المادة 118 اشترطت للتصويت على حجب الثقة من الحكومة أن يكون بناء على طلب موقع عليه من ربع عدد أعضاء مجلس النواب على الأقل، مع الاشارة هنا إلى أنه لا يمكن تفسير المادة 118 على أنها تتكامل مع المادة 117 من ناحية أن الطلب يقدم في المادة 117 من عشرة أعضاء على أن يوقع عليه ربع الأعضاء على الأقل حسب المادة 118، وذلك لأن المادة 117 اتجهت إلى إجازة عقد الجلسة الخاصة لحجب الثقة عن الحكومة بناء على طلب عشرة أعضاء دون اشتراط توقيعه من ربع عدد الأعضاء، ناهيك عن أن المسودة خلت من تحديد وسيلة تحريك حجب الثقة عن الحكومة والتي درجت الدساتير المقارنة على اللجوء إلى الاستجواب أو توجية لائحة اللوم لرئيس الحكومة أو الحكومة ككل من قبل البرلمان كوسائل رقابية لتحريك حجب الثقة عنها مع تصدي الدستور لتنظيمها من حيث كيفية تقديمها والرد عليها ممن وجهت له والنظر فيها ومناقشتها وأثرها، هذا بالاضافة إلى أن المسودة استخدمت مصطلح حجب الثقة، مع أن الحجب كمصطلح يشير إلى الحالة التي لا يصوت فيها البرلمان لصالح الحكومة عندما تتقدم ببيان أو برنامج منح أو نيل الثقة من البرلمان، أي قيام هذا الأخير بحجب التصويت عنها، بالتالي يكون الحجب عن حكومة قيد التشكل وليس حكومة مشكلة ونالت الثقة، التي يتم نزعها منها عبر سحب الثقة وليس حجبها.
- عدم تبني المسودة لنهج الاحتراس الدستوري في تنظيم بعض الموضوعات، حيث يعد الاحتراس أو التحوط تقنية تنظيمية يعتمدها المشرع الدستوري تقوم على أساس اداركه لواقع السلطة في الجماعة السياسية واستشرافه للفرضيات المحتملة أو لحالات الفراغ التي قد تحدث على صعيد ممارستها ومن ثم توقعها، فيتولى وضع قواعد أو أحكام احترازية أو آليات وتدابير دستورية بديلة لتجنب اساءة استعمال السلطة أو استغلال الثغرات وغياب النصوص الدستورية، ومن أمثلة غياب هذا الاحتراس أو التحوط الدستوري في المسودة المادة 80 المتعلقة بتكليف رئيس الحكومة من قبل رئيس الدولة لتشكليها والحصول على ثقة مجلس النواب، حيث اشترطت في التكليف الأول أن يراعي رئيس الدولة قدرة المرشح الذي يكلفه لرئاسة الحكومة على نيل ثقة مجلس النواب، وهذا يعني أنه ليس بالضرورة أن يكون من الحزب الحائز على أعلى المقاعد في مجلس النواب، كما أنه ليس بالضرورة أن يتحصل على ثقة البرلمان، لذلك أعطى للرئيس في حال فشلة في نيل ثقة المجلس خلال المدة المحددة تكليف شخص آخر لتشكيلها والحصول على الثقة، وفي حال عدم حصوله هو الأخر على ثقة المجلس يجوز للرئيس حل مجلس النواب وفقا للتنظيم الذي أوردته المسودة، أي أنها أحالت ضمناً للمادة 84 المنظمّة لحل المجلس، وهنا نشير إلى إن اخضاع مسألة الاختيار لقدرة من تم اختياره على نيل الثقة تظل مسألة غير محسومة بالكامل خاصة إزا لم يكن من الحزب الحائز على أكثرية مقاعد المجلس لأن فرصة حصول هذا الأخير على الثقة ستكون أكبر بحكم هذه الأكثرية، وهو ما لم يحترس منه المشرع بالزام الرئيس في التكليف الثاني بأن يكون رئيس الحكومة من الحزب الحاصل على أكثرية المقاعد، وهو ما تنبه له المشرع في الدستور المصري لعام 2014 وتعديلاته بالزام رئيس الدولة بذلك في التكليف الثاني حسب المادة 146 منه، بل أن المشرع التونسي في دستور 2014 اشترط ذلك في التكليف الأول حسب الفصل 89 من هذا الدستور، كما أن المادة 80 رتبت أثرا على مضي المدة المحددة في الحالة التي لم يحصل فيها المكلف برئاسة الحكومة على ثقة مجلس وذلك بتكليف شخص أخر بدلا منه، ولم تشر إلى حالة انتهاء المدة ذاتها دون أن يتمكن من تشكيل الحكومة أي فشله في تكوينها، وهو ما تحوط منه المشرع الدستوري التونسي في الفصل 89 من دستور 2014 الذي ساوى بين فشله في تكوينها وبين عدم حصوله على الثقة خلال نفس المدة التي حددتها المادة 89، هذا بالاضافة إلى أن المادة 80 لم ترتب حل مجلس النواب بصورة تلقائية في حال عدم منحه الثقة لكلا الحكومتين، بل أخضعت ذلك الحل للسلطة التقديرية لرئيس الدولة، وبالتالي قد تستمر أزمة تشكيل الحكومة دون أية أفق زمني أو ضوابط موضوعية لإنهاء هذه الأزمة مع استمرار حكومة تصريف الأعمال التي ستتحول من حكومة مؤقتة إلى حكومة دائمة رغم أنها قد تكون منزوعة الثقة من ممثل الإرادة العامة (مجلس النواب)، وهو ما احترس منه المشرع الدستوري المصري في المادة 146 من دستور عام 2014 وتعديلاته باعتبار مجلس النواب منحلا في حال عدم منحه الثقة لكلا الحكومتين، كما أن الإحالة للمادة 84 بشأن حل مجلس النواب وحسب ما جاء في هذه المادة والتي اشترطت تشاور رئيس الدولة مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب قبل استخدام سلطته في الحل، تجعل مسألة تقديم المشورة بالحل من عدمه سواء من قبل رئيس الحكومة أو رئيس البرلمان خيار خاضع للمصالح السياسية لكل منهما أو للاحزاب التي يتنمون لها، مما يبقي على أزمة تشكيل الحكومة، ومن الأمثلة كذلك على عدم تحوط المسودة المادة 90 في عدم اشتراطها عقد جلسة خاصة لمناقشة برنامج الحكومة والتصويت على الثقة بها، فهذا التوجه قد يفسح المجال لأن يكون منح الثقة مدرج ضمن جدول أعمال جلسة يُطرح فيها بعض المسائل للمناقشة والتي قد تؤثر على تصويت أعضاء المجلس وذلك بدفعهم لاتخاذ موقف مسبق من برنامج الحكومة سواء بحجب الثقة عنها أو منحها دون ايلاء الأهمية لبرنماج الحكومة ودفاعها وخطتها لتنفيذه، وهو ماتنبه له وتحوط منه المشرع في القانون الاساسي الفلسطيني لعام 2003 الذي اشترط في المادة 66 منه عقد المجلس التشريعي لجلسة خاصة عند مناقشته للبيان الوزاري للحكومة والتصويت عليه، هذا بالاضافة للمادة 88 في تنظيمها لتمديد حالة الطوارئ، حيث أنها وإن اشترطت أن يكون التمديد بموافقة أغلبية ثلثي مجلس النواب، إلا أنها لم تحدد عدد مرات حالات التمديد ولم تشترط استمرار موجبات حالة الاعلان ذاتها عند تمديدها، كما لم تشترط أن يُؤخذ رأي جهة أخرى غير سياسية كالمحكمة الدستورية، لضمان عدم تأثر التمديد بالمصالح السياسية والأغلبية التي ينتمي لها الرئيس ومجلس النواب، لذلك نجد مثلا أن الدستور الفرنسي لعام 1958 وتعديلاته في المادة 16 منه قد أعطى للمجلس الدستوري سلطة التقرير في مدى استمرار أسباب إعلان حالة الطورائ بناء على طلب مقدم من أحد رؤساء مجلسي البرلمان أو 60 عضو منهما، بالاضافة إلى الزام السلطات الدستورية بأخذ رأيه في التدابير المتخذة من قبلها خلال حالة الطورائ، كما لم يحترس المشرع من الحالة التي قد تستدعي التمديد اذا ما كان مجلس النواب منحلاً، كأن يشترط موافقة جهة أخرى مثل المحكمة الدستورية أو مجلس الوزراء، وهو ما تنبه له المشرع الدستوري المصري في المادة 153 من دستور عام 2014 وتعديلاته، الذي اشترط في مثل هذه الحالة أن يكون التمديد بعد أخذ موافقة مجلس الوزراء على أن يعرض التمديد على مجلس النواب الجديد في أول اجتماع له، كذلك المادة 108 من المسودة لتي نصت على أن يضع مجلس النواب نظامه الداخلي، ودون أن تقرر خضوع هذا النظام أو التعديل عليه للرقابة السابقة للمحكمة الدستورية خاصة وأنها لم تنص على صدوره بقانون كالمادة 118 من الدستور المصري لعام 2014 وتعديلاته، لا سيما وأن القانون من الأعمال التشريعية التي تبسط المحكمة الدستورية رقباتها عليها، ويجد هذا التحوط ما يبرره في سياق التجربة الفلسطينية بالنظر إلى ما اعترى النظام الداخلي للمجلس التشريعي الفلسطيني لعام 2000 وتعديلاته من أوجه مخالفة لأحكام القانون الأساسي المعدل لعام 2003 وتعديلاته، ومن أمثلة ذلك المادة 15 من النظام الداخلي للمجلس التي أناطت برئيس السلطة الوطنية اختيار اعضاء الحكومة وتقديمهم للمجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها المجلس للتصويت على الثقة بالحكومة ودون اشتراط عقد المجلس لجلسة خاصة بذلك، وهو ما يخالف المادة 66 من القانون الأساسي التي أناطت برئيس الوزراء اختيار اعضاء حكومته وعرضها على المجلس التشريعي، واشترطت أن يعقد المجلس جلسة خاصة لمناقشة البيان الوزراي للحكومة والتصويت على الثقة بها، والمادة 71 من النظام الداخلي التي اعتبرت مشروع القانون الذي يعترض عليه رئيس السلطة الوطنية ويقوم برده للمجلس نافذا وينشر فورا في الجريدة الرسمية في حال أقره المجلس ثانية بالأغلبية المطلقة (النص +1 من عدد أعضاء المجلس)، في تعارض صريح مع المادة 41 من القانون الأساسي التي اشترطت لنفاذه في هذه الحالة ونشره أن يتم اقراره بأغلبية ثلثي عدد أعضاء المجلس التشريعي، كذلك المادة 81 من النظام الداخلي التي استحدث فيها النظام وسائل رقابية جديدة على الحكومة لم ينص عليها القانون الأساسي كتوجيه لائحة اللوم، وتوجيه النقد للسلطة التنفيذية، وهو ما يخالف المادة 51 من القانون الأساسي التي ألزمت المجلس بعدم بمخالفة أحكام هذا القانون والمبادئ الدستورية العامة عند وضع نظامه الداخلي، بالاضافة إلى غيرها من المخالفات في النظام الداخلي للمجلس التشريعي لأحكام القانون الأساسي الفلسطيني، كما يعد من أوجه عدم التحوط وعدم نهج الاحتراس الدستوري في المسودة ما يتعلق بالسلطة القضائية، ومن أمثلة ذلك خلو المسودة من بعض الضمانات المتعلقة بتأديب القضاة وندبهم وإعارتهم، حيث أحالت المسودة بشأن تنظيم هذه المسائل إلى القانون دون ايراد بعض الضمانات الدستورية المتعلقة بالسلطة القضائية وأعضائها، وهو ما تحوط منه المشرع الدستوري المقارن، كالدستور المصري لعام 2014 وتعديلاته، الذي قيد في المادة 186 منه المشرع العادي عند تنظيمه تلك المسائل بموجب قانون ألا يخل ذلك التنظيم بالحفاظ على استقلال القضاء والقضاة وحيدتهم، ويحول دون تعارض المصالح.
وغيرها من الملاحظات على نهج المشرع في المسودة والتي لاتقل أهمية عما تم ايراده والتي لا يتسع المقام لتناولها.ع
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها