ليست آيات الله سردًا تاريخيًّا يُتلى، ولا قصص القرآن حكاياتٍ تُروى للعظة العابرة؛ إنّها بيانٌ لسننٍ تحكم الوجود، وقوانين لا تتبدّل وإن تبدّلت الوجوه والأزمنة. فالأمم التي علت وشادت وبنت حضاراتها لم تسقط فجأة، بل سقطت حين اختلّ ميزانها الداخلي؛ حين انفصلت القوّة عن الأخلاق، والسلطة عن العدالة، والمصلحة عن الحق.
سنن الله لا تُجامل أحدًا، ولا تُؤخَّر احترامًا لمكانة، ولا تُلغى مراعاةً لاسمٍ أو تاريخ. وحين يغيب الحساب يبدأ التآكل، لا من الأطراف بل من الداخل. فالفساد لا يهدم الجدران أولًا، بل يهدم المعنى؛ وحين ينهار المعنى، يصبح البناء مهما ارتفع هشًّا ينتظر ريحًا عابرة.
الفاسد الذي لا يُحاسب يتمادى، لا لأن البطش فطرته الحتمية، بل لأن النفس إن أمنت العاقبة أغراها الامتداد. والسارق الذي لا يُقطع عليه طريق السرقة لا يتوقف عند حدّ، لأن غياب الردع رسالة ضمنية بأن الطريق مباح. من هنا كان الحساب حمايةً للمجتمع قبل أن يكون عقوبةً للفرد، وكان العدل صمّام أمان الحضارات لا ترفًا أخلاقيًّا.
والمكر السيّئ، مهما بدا محكمًا، يحمل في داخله بذرة انقلابه. ليست القضية وعيدًا عاطفيًا، بل منطق سننيّ: من ينسج شبكة الظلم يعلّق خيطًا حول عنقه دون أن يشعر. وقد جاء الوعد واضحًا في قوله تعالى:
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.
فالسنن لا تنخدع بالمظاهر، ولا تُخترق بالضجيج، ولا تُعطَّل بتكرار الكذب.
إن من أراد أن يحفظ كرامته وكرامة من يحملون اسمه، فليبنِ تاريخًا يُشبه القيم التي يدّعيها. فالمال الحلال ليس شعارًا وعظيًّا، بل شرط استقرار؛ وأكل الحرام ليس شطارة، بل اختلال ميزان يُراكم ثمنه مع الزمن. وما يُنتزع من يد المحتاج، أو يُسرق من طريق الحق، يعود على صاحبه قلقًا وخوفًا وتفككًا، ولو ظنّه نصرًا مؤقتًا.
والكذب، مهما تنوّعت صوره، ليس إلا محاولةً يائسة لتزييف ميزان الحقيقة. غير أنّ الحقيقة لا تحتاج صراخًا لتحيا، لأنها تستند إلى قانون أعمق من رغبات البشر. وكل اتهام باطل هو شرارة في حقل صاحبه، قد يتأخر اشتعالها، لكنه اشتعال محتوم.
في هذا السياق نفهم قول المتنبي:
«تجري الرياح بما لا تشتهي السفن».
هو توصيف لواقعٍ تتقدّم فيه العواصف أحيانًا على الرغبات. غير أنّ الوعي بالسنن يفتح أفقًا آخر: فالإيمان ليس استسلامًا للريح، بل فهمٌ لقوانينها، وأخذٌ بأسباب الإبحار في وجهها.
من هنا تولد الحكمة المُضادّة؛ لا بمعنى معاندة القدر، بل بمعنى التفاعل الواعي معه. أن نؤمن ونُصدّق ونسعى، وأن نُدرك أن الله جعل للنصر شروطًا كما جعل للسقوط أسبابًا. الحكمة المُضادّة أن نردّ على الفساد بالنزاهة، وعلى المكر بالثبات، وعلى الكذب بالوضوح؛ أن نصنع من أخلاقنا قوّة، ومن وعينا درعًا، ومن صبرنا استراتيجية.
وعندها فقط يصبح القول معنى، لا شعارًا:
تجري الرياح كما تجري سفينتنا… نحن الرياح ونحن البحر والسفن.
لسنا نفياً للسنن، بل امتثالًا لها. فمن وعى القانون الإلهي في العمران، وأحسن بناء ذاته قبل بنائه، لم يكن رهينة العاصفة، بل شريكًا في صناعة الاتجاه.
هكذا تُبنى الأمم: بعدلٍ يُحاسِب، وأخلاقٍ تُقوِّم، ووعيٍ يقرأ التاريخ قبل أن يعيده.
وهكذا تسقط حين تظنّ أن السنن يمكن خداعها.
لأن سنن الله لا تُخدع