في لحظة فارقة من تاريخ القضية الفلسطينية تتجه الأنظار إلى المؤتمر الثامن لحركة "فتح" بوصفه محطة مفصلية لإعادة ترتيب البيت الفتحاوي الداخلي واستعادة زمام المبادرة في ظل حرب إبادة جماعية طالت قطاع غزة وعدوان متواصل على الضفة الغربية ومخيماتها وتصعيد استيطاني يهدف إلى اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه.
إن انعقاد المؤتمر الثامن يجب أن يشكل لحظة تاريخية ومفصلية تتطلب قرارات جريئة ترتقي إلى مستوى التحديات الوجودية التي تواجه المشروع الوطني، لذلك فإن النهوض الحقيقي يبدأ من قاعة المؤتمر بإعادة تفعيل الأطر التنظيمية وضخ دماء جديدة داخل جسم الحركة وتعزيز العلاقة بين القيادة والقاعدة، فحركة فتح لم تكن مجرد تنظيم بل حالة نضالية متجددة، فإن تراجعت خسر المشروع الوطني أحد أهم روافعه الأساسية، إن إعادة الاعتبار للمؤسسات التنظيمية وتفعيل دورها الميداني يشكلان حجر الأساس لأي انطلاقة جديدة للحركة خاصة في ظل حالة الترهل التي لا ينكرها أحد.
لم تصنع "فتح" تاريخها بالمساومات بل بالفعل الثوري الذي كسر الجمود العربي وفتح أفقا جديدا للنضال الفلسطيني وبإنعقاد المؤتمر الثامن يتطلع أبناؤها إلى استعادة فكرها الثوري ورفض وتغيير الواقع وإسقاطه، وإن العودة إلى هذا النهج لا تعني القطيعة مع السياسة بل تعني إعادة تعريفها بما يخدم الثوابت الوطنية الفلسطينية ويعيد الاعتبار لخيار المقاومة بأشكالها كافة وفق ما تفرضه المرحلة.
وفي ظل تعقيد المشهد لم تعد المواجهة تقتصر على شكل واحد بل باتت تتطلب استراتيجية متكاملة تجمع بين العمل الشعبي والسياسي والقانوني، فالمعركة مع الاحتلال لم تعد بندقية فقط بل وعي وصمود وموقف سياسي لا ينكسر، وعليه فإن المؤتمر الثامن مطالب بوضع رؤية واضحة توحد أدوات النضال وتمنحها بعدا وطنيا جامعا بعيدا عن الارتجال وردود الفعل.
ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل الانقسام لذلك فإن إنهاء الانقسام الفلسطيني أولوية لا تقبل التأجيل، والوحدة الوطنية لم تعد خيارا تكتيكيا بل شرطا لبقاء القضية، إن الذهاب نحو حوار وطني شامل يفضي إلى مصالحة حقيقية هو الطريق الوحيد لتوحيد شطري الوطن وبناء استراتيجية وطنية موحدة قادرة على مواجهة التحديات ومواجهة المشاريع التصفوية فالقضية الفلسطينية تواجه اليوم مخاطر كبيرة تسعى إلى تصفيتها و تقويضها، لذلك فإن كل مشروع ينتقص من حقوق شعبنا مصيره السقوط ما دام هذا الشعب لا يزال يرفض ويقاوم، من هنا فإن فتح مطالبة بتعزيز دورها الجماهيري وصمودها السياسي للدفاع عن القرار الوطني المستقل ورفض أي إملاءات خارجية تمس بالحقوق التاريخية لشعبنا.
لا ينظر الفلسطينيون إلى المؤتمر الثامن لحركة فتح كحدث تنظيمي عابر بل كفرصة تاريخية لإعادة بناء الحركة وتجديد مشروعها الوطني، فإما أن يكون المؤتمر بداية نهوض حقيقي لحركة فتح أو تتحول الفرصة إلى عبء جديد يضاف إلى عديد الأزمات داخل الحركة، إن آمال أبناء فتح كبيرة، وهم ينتظرون مؤتمرا يليق بتاريخ الحركة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل الوطني القادر على مواجهة الاحتلال وصون الكرامة وتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين إلى ديارهم.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها