مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، تقف الحركة أمام لحظة تاريخية تحمل في طياتها الكثير من الأسئلة، بقدر ما تحمل من الأمل، ليست هذه المحطة مجرد استحقاق تنظيمي دوري، بل فرصة وطنية جامعة لإعادة قراءة التجربة، واستعادة روح البدايات التي صنعت حضور فتح في الوعي الفلسطيني، بوصفها حركة تحرر وطني انطلقت من أجل الحرية، وما زالت تلك الغاية تتطلب جهداً جماعياً متواصلاً وصبراً تاريخياً طويلاً.
يأتي المؤتمر الثامن في ظل واقع فلسطيني معقد ومتداخل، حيث تتقاطع تحديات الداخل مع الضغوط الخارجية، وتتعمق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل من انعقاد المؤتمر فرصة لإعادة ترتيب الأولويات على قاعدة العمل الجماهيري الشامل، فالمطلوب اليوم ليس فقط تجديد الخطاب، بل صياغة استراتيجيات تستند إلى الفعل المجتمعي المنظم في كافة المجالات، بما يعيد للحركة حضورها في تفاصيل حياة الناس، ويؤكد دورها كحاضنة وطنية تعبر عن هموم المجتمع وتطلعاته.
وفي هذا السياق، يبرز التحدي، حيث يتطلع كثيرون إلى أن يشكل المؤتمر مساحة لإعادة ضبط علاقة بالمؤسسات الوطنية الرسمية أيضاً بما يعزز دور الحركة كحركة تحرر وطني، ويعيد توجيه البوصلة نحو المشروع الوطني الشامل. فالمطلوب ليس الفصل بقدر ما هو وضوح في الأدوار، بحيث تستعيد فتح حيويتها التنظيمية، وتتمكن في الوقت ذاته من دعم مسار وطني جامع يحفظ التوازن بين متطلبات الواقع السياسي وضرورات النضال بكافة أشكاله.
إن واقع قطاع غزة بكل ما يحمله من دمار ومعاناة إنسانية، إلى جانب ما تشهده الضفة الغربية من توسع استيطاني وتفتيت للجغرافيا، وما يعانيه أبناء شعبنا في الشتات من تحديات الهوية والحقوق، يفرض على المؤتمر الثامن مسؤولية مضاعفة، فهذه الجغرافيا الفلسطينية المتعددة تحتاج إلى رؤية موحدة تعيد وصل مكوناتها، وتؤكد أن فتح كانت وما زالت إطاراً جامعاً لكل الفلسطينيين، وأن مخرجات المؤتمر ينبغي أن تعكس تطلعات غزة الصامدة، والضفة الثابتة، والشتات المتمسك بحقه في العودة.
ومن هنا، تبرز أهمية توسيع المشاركة في صياغة الرؤية المستقبلية، بما يضمن حضور الكوادر الميدانية التي عايشت التجربة ولامست هموم الناس، فهؤلاء يمثلون جسراً حقيقياً بين القيادة والقاعدة، وقادرون على نقل صورة الواقع كما هي، دون مبالغة أو تجميل، إن إشراكهم في صناعة القرار يعزز الطابع الجماعي للحركة، ويعيد الاعتبار لفكرة أن فتح كانت دائماً نتاجاً لجهد جماعي.
كما أن المؤتمر يشكل فرصة لإطلاق مراجعة هادئة وبنّاءة لخطاب الحركة وآليات عملها، بما ينسجم مع متغيرات المرحلة، فالتحديات الحالية تتطلب خطاباً يجمع بين الواقعية السياسية وروح المبادرة، ويعيد الثقة للجماهير، ويؤكد أن العمل الوطني ما زال ممكناً وفاعلاً، إن تعزيز العدالة التنظيمية، وتفعيل المؤسسات، وإفساح المجال أمام الطاقات الشابة، كلها عناصر أساسية لمرحلة جديدة تستند إلى التجديد دون أن تفقد أصالة التجربة.
لذلك يشكل المؤتمر الثامن محطة تاريخية، بل مفترق طرق يمكن أن يعيد للحركة دورها الريادي في قيادة المشروع الوطني، ففتح ما زالت تسكن وجدان الشعب الفلسطيني، وتختزن رصيداً تاريخياً كبيراً من النضال والتضحيات، فالمطلوب اليوم أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، وإطلاق طاقات العمل الجماهيري، وتوحيد الصف الوطني، بما يواكب تطلعات شعبنا في الحرية والكرامة.
إن الأمل كبير بأن تكون مخرجات المؤتمر الثامن على مستوى التحديات، وأن تعبر عن طموحات أبناء شعبنا في غزة والضفة والشتات، وأن تعيد التأكيد على أن فتح كانت وستبقى حركة وطنية جامعة، قادرة على التجدد، وصياغة المستقبل، وحمل راية المشروع الوطني الفلسطيني نحو آفاق أرحب.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها