في تاريخ الثورة الفلسطينية أسماءٌ ظلّت بعيدة عن الأضواء، لكنها كانت في صميم الفعل والتضحية. ومن بين هذه الأسماء المناضلة رشيدة المغربي، التي اختزلها البعض في كونها شقيقة الشهيدة دلال المغربي، بينما تحمل سيرتها الخاصة تجربة نضالية عميقة، امتدّت لعقود من العمل الميداني والاعتقال والمنفى ثم العودة إلى الوطن.

البدايات والانخراط في الثورة

وُلدت رشيدة المغربي في لبنان لعائلة فلسطينية لاجئة، وتشكل وعيها الوطني في بيئةٍ عاشت تفاصيل النكبة والشتات. ومع تصاعد العمل الفدائي الفلسطيني في سبعينيات القرن الماضي، التحقت مبكرًا بصفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح، حيث تلقت تدريباتها العسكرية في معسكرات الثورة في بيروت، وشاركت في مهام ميدانية وتنظيمية، كما أسهمت في العمل التمريضي والإسناد خلال المواجهات.

خلال الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، أُصيبت ثلاث مرات أثناء أداء واجبها، وكانت أخطر إصاباتها في البطن، ما ترك أثرًا صحيًا دائمًا في حياتها. ورغم ذلك، واصلت مسارها النضالي بإصرارٍ واضح، معتبرة أن الجرح جزء من مسيرة التحرير.

الاعتقال في بريطانيا: اثنا عشر عامًا من الصبر

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، سافرت في مهمة خارجية، قبل أن تعتقلها السلطات البريطانية بتهمة التخطيط لاستهداف دبلوماسي إسرائيلي في لندن. صدر بحقها حكم بالسجن لمدة اثني عشر عامًا، قضتها كاملة في السجون البريطانية.

تشير تقارير إعلامية وشهادات مقرّبين إلى أنها تعرّضت خلال فترة اعتقالها لتعذيبٍ وسوء معاملة قاسيين، تركا آثارًا نفسية وجسدية عميقة. وكانت تتحفّظ على الخوض في تفاصيل تلك المرحلة، غير أن المؤكد أن آثار السجن حرمتها لاحقًا من أن تعيش تجربة الأمومة. ورغم قسوة التجربة، خرجت من المعتقل متمسكةً بقناعاتها الوطنية، مؤمنةً بأن الألم الشخصي لا يعلو على القضية العامة.

الإفراج والمنفى الاختياري في الجزائر

أُفرج عنها عام 1988، وكان في استقبالها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في مشهدٍ حمل دلالة تقديرٍ رسمي لمسيرتها وتضحياتها.

عقب الإفراج، انتقلت إلى الجزائر، التي استضافتها بعد خروجها من المعتقل، وهناك واصلت عملها التنظيمي ضمن أطر منظمة التحرير الفلسطينية، وتولّت مهام في جهاز «القوة 17»، مساهمةً في العمل الأمني والتنظيمي للثورة خارج فلسطين. بقيت في الجزائر سنوات، محافظةً على انضباطها والتزامها، بعيدًا عن الإعلام والظهور.

العودة إلى الوطن والمشاركة المؤسسية

مع انعقاد المؤتمر السادس لحركة فتح عام 2009 في مدينة بيت لحم، عادت رشيدة المغربي إلى فلسطين، واستقرّت في رام الله، رافضةً مغادرة الوطن مجددًا.

انتُخبت عضوةً في المجلس الثوري لحركة فتح، وشاركت في العمل التنظيمي والسياسي، مؤكدة حضور المرأة الفلسطينية في مواقع القرار، ومجسّدةً انتقال المناضل من الميدان إلى المؤسسة، دون أن يتخلى عن روحه الأولى.

ملامح شخصية وإرث باقٍ

عرفها من عايشها بأنها طيّبة القلب، جميلة اللسان، ثابتة الموقف، قليلة الحديث عن ذاتها، كثيرة العطاء في صمت. لم تعتمد يومًا على اسم شقيقتها، ولم تجعل من سيرتها الشخصية مادةً للظهور، بل اعتبرت أن الواجب الوطني يُؤدّى دون ضجيج.

برحيل الحاجة اللواء رشيدة المغربي، فقدت الثورة الفلسطينية واحدةً من نسائها اللواتي جمعن بين التجربة القاسية والصبر العميق والإيمان الثابت. غير أن سيرتها تبقى شاهدًا على مرحلةٍ كاملة من تاريخ النضال الفلسطيني، وعلى قدرة المرأة الفلسطينية أن تكون في الصفوف الأولى، في الميدان والسجن والمنفى والوطن.

رحم الله المناضلة ابنة الثورة الفلسطينية، وأسكنها فسيح جناته، وجعل ذكراها حيّة في وجدان الأجيال القادمة.