يا كاتبَ التاريخِ، ألا تخجلُ من أن تُدوِّنَهُ؟

لعلَّ أملاً في جيلٍ قادمٍ يُغيِّرُ ما توارثناهُ

وأورثناهُ،

فجاءَ وعدَّلَهُ!

هل ستُكتَبُ الخيباتُ والهزائمُ،

فلا يرحمُنا ولا يرحمُهُ؟

سيُسألُ إن جاءَ يومًا صلاحُنا من جديد:

ألم يكن فيكم رجلٌ يُستشهَدُ لموقفهِ؟!

أم كانت حروبُكم كلماتٍ،

وتصعيدُكم صورًا،

تلمُّ بالحدثِ ثم تدفنُهُ؟

ألم يُحقِّقِ الرجالُ نصرًا لنسائِهم،

فأصبحوا يأخذونهنَّ إلى السَّبي بأيديهم،

وإن اختلفَ مظهرُهُ؟

استبحتم كلَّ شيء،

ألم يكن فيكم يوسفٌ فيشهدَ الجمعُ لهُ؟

وبعضُ النساءِ غدَت أجسادُهنَّ سلعةً،

يتباهينَ بأنهنَّ فككنَ قيدَ مجتمعِهنَّ،

فكان الديُّوثُ أوَّلَ من فتكَ بهِ.

يا كاتبَ التاريخِ، بربِّك استثنِنا،

فما كنَّا يومًا بضاعةً للبيع،

وإن بلغَ السيفُ حدَّ الرقبة.

ولم نتبعِ القطيعَ، وقلنا:

لا تأكلُ المرأةُ من قلبِها

ولا جسدِها ما دامت حرَّةً..

يا رجالُ، انتفضوا لما تبقّى فينا،

استبدلوا زمنَ السادةِ

بزمنِ العبيدِ، ولو لمرَّةٍ.

#يا_كاتب_التاريخ

#نهى_عودة

-الشاعرة والاديبة المتميزة السيدة نهى عودة المحترمة

-قراءة نقدية لقصيدة:”يا كاتب التاريخ “

كباحثٍ في التاريخ 

وناقدٍ يتعامل مع النصوص بمعايير علمية، وجدتني اقف أمام قصيدتك موقف المتلقي المتأثّر قبل الناقد، وكأنها تعيد مساءلتي شخصيًا عن جدوى ما نكتبه وما نوثّقه وما نختار أن نصمت عنه. 

لقد التقطت يا شاعرتنا الكبيرة خيطًا دقيقًا بين التاريخ بوصفه سردًا، وبين الوعي بوصفه مسؤولية، وصغت منه نصًا يضجّ بالحياة والاحتجاج والكرامة.

و ما يميز هذه القصيدة أنها لا تتوجه إلى المؤرخين فقط، بل إلى ضمير الأمة كلّه، ولكن بأسلوب يجعل الباحثين في الواجهة، وكأنها تضع المرآة أمام أقلامنا وتقول: “هل كتبتم ما يجب؟ أم اكتفيتم بسرد ما حدث؟”. وهذا بحدّ ذاته قمة الوعي الأدبي، حين يتحوّل الشعر إلى محكمة أخلاقية لا قاضٍ فيها إلا الحقيقة.

لقد قدّمت ايتها المتألقة شعرًا بليغاً يمتاز بثلاث خصال نادراً ما تجتمع في قصيدة احتجاجية:

-أولاً- لغة عالية دون تكلف 

كتبتِ بلغة عربية متينة تستدعي التراث، لكنها لا تسقط في فخ التقليد؛ بل تمنحه روحًا معاصرة ورؤية حداثية.

-ثانياً: موقف أخلاقي واضح لان 

القصيدة ليست انفعالاً عابرًا، بل موقفًا متماسكًا يعيد صياغة دور المثقف، ويعرّي مظاهر الانحدار الأخلاقي والاجتماعي والسياسي دون مباشرة أو خطابة.

ثالثاً: قدرة على مخاطبة الضمير الجمعي لان 

النص موجَّهٌ لكل من يحاول أن يكتب أو يغيّر أو يشهد، ولذلك شعرتُ–مثل كثير من زملائي–أن القصيدة تخاطبني شخصيًا، وتعيد ترتيب أسئلتي المهنية والإنسانية.

شاعرتنا المتألقة:

 قصيدتك لا تُقرأ فقط… بل تجبرنا ان نعيد تقييم كتابة التاريخ .

ولذلك أجدني مضطرًا إلى الاعتراف بأن الشاعرة نهى شحادة عودة استطاعت أن تكتب نصًا يفرض نفسه في الذاكرة، ويدفع الباحث والكاتب والمثقف إلى إعادة النظر، لا في تاريخه فحسب، بل في مسؤوليته أمامه.

أحمد عيسى 

باحث في تاريخ فلسطين الحديث و المعاصر و خبير تربوي