كانَ لا بُدَّ مِن رصدِ جميعِ مشاهدِكَ، فالضرائبُ كثيرةٌ هنا، تعتلي حصانَ المراهقةِ بوعيٍ ما يكونُ أشبهَ بفقاعةِ واقعٍ تُدهشكَ تفاصيلُه، ظنًّا منهم بأنَّ النجاةَ في الكِبَرِ، وأنَّ الأيّامَ لا تعني شيئًا، فكلُّ شيءٍ متشابهٌ هنا إلّا روحُكَ المتأرجحةُ على الوقتِ وعلى النجومِ التي تطالُها فرحًا.

تكبرُ قليلًا فتتماهى مع سيرورةِ الوقتِ والاتجاهِ والنظرِ الموجَّهِ نحو غدِكَ الأفضلِ الذي ستعتليه شامخًا بشهاداتِكَ وبضعٍ من حنينِكَ والكثيرِ من لجوئِكَ.

تأتي الصدمةُ الأولى كالموتِ الأوّلِ في حياتِكَ، عندما تشعرُ به ويطرقُ بابَكَ ليقولَ لكَ: قِفْ هنا، ففي بعضِ الأشخاصِ لن يُكملوا معكَ هذا الطريقَ. وأيضًا عندما تقفُ على عتبةِ اللجوءِ والتشرّدِ: قِفْ هنا، فأنتَ ممنوعٌ في كلِّ مكانٍ، محظورٌ من ممارسةِ الأحلامِ.

تتساءلُ دونَ أجوبةٍ مُقنعةٍ، كما يفعلُ بكَ شيخُ حارتِكَ الذي طمسكَ سنينَ طوالًا بترهاتٍ عليكَ أن تقتنعَ بها أيضًا، فتنشطرُ الأرواحُ بين مؤيّدٍ ومعارضٍ، وتنشطرُ أنتَ نصفينِ، في اتجاهينِ: أينَ أُكملُ طريقي؟

فإن جارَ عليكَ الزمنُ لتكونَ متيقّنًا واعيًا لما يحصلُ، تبدأُ معضلتُكَ وحروبُكَ المرئيّةُ واللامرئيّةُ، وتبدأُ بطرحِ الأسئلةِ والذهابِ لإيجادِ الأجوبةِ، فلا أحدَ هنا يشفي فضولَ روحِكَ. ما الذنبُ الذي اقترفتَه؟ وما الطريقُ الوعرةُ التي وُضعتَ بها؟

تمضي قدمًا لتحملَ على أكتافِكَ عناءَ الناسِ وأفكارِهم القبليّةِ وطقوسِهم اللامنطقيّةِ، فتعودُ لدائرتِكَ الصغيرةِ المقفلةِ عليكَ، وتعيدُ ترتيبَ المواضيعِ حسب أزماتهم دونَ أن تشعرَ. فأنتَ لا حربَ هنا فيها انتصارٌ ولا هزيمةٌ، ستكونُ على مفترقِ طرقٍ معهم، ومع أمراضِهم واضطراباتِهم، ومع أمراضِكَ واضطراباتِكَ التي تخرجُ للعلنِ بها رافعًا رأسَ القوّةِ، وتعودُ إليها بعدَ أن يُسدلَ النهارُ ستارَه عليكَ.

ضرائبُ كثيرةٌ ولا نجاةَ لكَ أيُّها اللاجئُ إلّا نجاتُكَ بروحِكَ، وتكسيرُ آخرِ جنديٍّ من أفرادِ القبيلةِ وتقاليدِها المقيتةِ، فتُذيبَ عذابَ المرحلةِ الأولى فيمن لكَ عليهم يدُ قلبِكَ، لتوضعَ الصورةُ المناسبةُ لحياةٍ تليقُ بحدٍّ أدنى بالضرائبِ المدفوعةِ مسبقًا وبوخزِ الأذرعِ الممتدّةِ لكَ أم عليكَ، لا ضيرَ.

هذه ضريبةٌ أيُّها العربيُّ الغريبُ الملامحِ والطريقِ والصورةِ.