في الذكرى الثامنة والخمسين لمعركة الكرامة، تستحضر حركة "فتح" في لبنان ذلك اليوم المفصلي من تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، حين سطّر الفدائيون الفلسطينيون بالتلاحم مع الجيش العربي الأردني في الحادي والعشرين من آذار عام ١٩٦٨ صفحةً خالدة من الصمود الوطني، شكّلت كما وصفها الشهيد الرمز ياسر عرفات "نقطة انقلاب بين اليأس والأمل، ونقطة تحوّل في التاريخ النضالي العربي، وتأشيرة عبور القضية الفلسطينية إلى عمقَيها العربي والدولي"، فكانت المعركة التي كسرت رهان العدو على إسكات صوت الثورة، وأثبتت أنّ الشعوب المؤمنة بحقها قادرةٌ على قلب المعادلات مهما اختلّت موازين القوى.

أبناء شعبنا الفلسطيني الصامد،
لم تكن الكرامة مجرّد مواجهة عسكرية، بل قرارًا وطنيًّا واعيًا اتخذته حركة "فتح" في لحظة كانت الأمة العربية ترزح تحت آثار نكسة حزيران، حين رفضت قيادة الثورة الفلسطينية التراجع أمام مخطط استهداف الوجود الفدائي وإطفاء جذوة الثورة، فكان الصمود خيارًا تاريخيًّا حاسمًا كرّس استمرارية المشروع الوطني الفلسطيني، وأعاد الاعتبار لفلسطين باعتبارها قضية شعب حيّ لا يُهزم. 

وقد تجلّت في مجريات المعركة، التي امتدت أكثر من ست عشرة ساعة، أبهى صور التلاحم الفلسطيني الأردني، حين واجه الفدائيون والجيش الأردني وأهالي الكرامة جحافل الاحتلال وآلياته الثقيلة، ملحقين به خسائر جسيمة، ومجبرين إيّاه للمرة الأولى على طلب وقف إطلاق النار والانسحاب دون تحقيق أهدافه، لتسقط بذلك أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر" وتولد مرحلة جديدة في الوعي الوطني العربي والفلسطيني.

واليوم، فيما يواجه شعبنا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس أبشع سياسات الإبادة الجماعية والاستهداف والاقتلاع والاقتحامات ومحاولات طمس الهوية الوطنية، تعود الكرامة بمعانيها لتؤكّد أنّ ما عجز الاحتلال عن فرضه بالأمس، لن ينجح في تكريسه اليوم، لأنَّ شعبنا الذي عبر محطات النار الطويلة ما زال يثبت أنّ الوعي الوطني المتجذّر، والتمسك بالثوابت، والالتفاف حول المشروع الوطني الفلسطيني، هي سلاحنا وضمانتنا الوطنية في مواجهة محاولات الإلغاء والتصفية.

وفي مخيمات وتجمعات شعبنا الفلسطيني في لبنان، حيث تتقاطع مرارة اللجوء مع تداعيات العدوان الإسرائيلي المتواصل على الساحة اللبنانية وما خلّفه من قلق ونزوح وتداعياتٍ إنسانية واجتماعية، نستحضر ذكرى معركة الكرامة كدرسٍ حيٍّ في الانتماء والانضباط الوطني وتحمل المسؤولية، بما يفرض علينا صون هويتنا الوطنية واستقلالية قرارنا الوطني الفلسطيني، وحماية استقرار مخيماتنا، والحفاظ على وحدتنا الوطنية، وتعزيز حضور قضيتنا العادلة في الوعي العام.

إنَّ حركة "فتح" - لبنان، وهي تحيي هذه الذكرى الخالدة، تجدّد العهد لأبناء شعبنا كافةً، بأن تبقى الكرامة منارةً نهتدي بها في هذه المرحلة الدقيقة، ونستمدّ منها معنى الثبات، ونواصل تحمّل مسؤولياتنا الوطنية تجاه أبناء شعبنا في كل أماكن وجودهم، دفاعًا عن حقوقهم، وصونًا لكرامتهم الوطنية، وتمسّكًا بقضاياهم الحياتية والوطنية، مجدّدين الالتفاف حول منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتنا الشرعية وعلى رأسها سيادة الرئيس محمود عبّاس، حتى نيل حقوق شعبنا كاملة غير منقوصة، وفي مقدمتها الحرية والاستقلال وإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين إلى ديارهم.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار
والحرية لأسرانا البواسل
والشفاء لجرحانا الميامين
وإنَّها لثورةٌ حتّى النّصر والعودة