أما آنَ لهذا الشعب أن يترجّل عن صهوة نزيفه الممتدّ؟ أما آنَ لهذا التعب أن يجد له نهايةً، ولهذا القلق أن يخمد، ولهذا الشتات أن يتوقّف عن ابتلاعنا؟
نحنُ الفلسطينيّون لسنا حكايةً عابرةً في دفاتر العالم، ولا خبرًا عاجلًا يُطوى مع نشرات المساء. نحن الحكاية التي تُكتَب بالدم، جيلًا بعد جيل، دون أن يُسمح لها أن تلتقط أنفاسها أو تضع أوزارها.
منذ النكبة ونحن نُجرّب أشكال الفقد كلّها؛ نغادر بيوتنا مرّةً، فنُقتلع من خيامنا مرّات، نُهجَّر من أرضنا، ثم نُهجَّر داخلها، حتى صار الوطن نفسه منفىً آخر، وصارت الخيمة قدرًا يتكرّر ولا ينتهي.
هذه غزّة التي لم يُبقِ فيها الاحتلال ولم يذر، تُذبح كلّ يوم على مرأى العالم، ثم يُطلب منها أن تصمد بصمت، وكأنّ الصبر خيارها لا فرضٌ عليها، وكأنّ الحياة فيها لم تعد معركةً يوميّةً للبقاء.
وهذه الضفّة، حيث يُقاس العمر على الحواجز، وتُختصر الحياة بين تفتيشٍ وانتظار، حيث كلّ صباحٍ يحمل احتمال الفقد، وكلّ مساءٍ يؤجّل الحزن ليومٍ آخر.
وهذه القدس التي يحاولون طمس هويتها، وسرقة اسمها، وتفريغها من أهلها، لكنّها باقية فينا، حيّةٌ في تفاصيلنا، عصيّةٌ على النسيان مهما اشتدّت محاولات المحو.
وهذه مخيّمات الشتات، حيث لا شيء يشبه الوطن إلا الحنين، ولا يُورَّث للأبناء سوى مفاتيح البيوت القديمة، وصور الجدران التي سكنتنا أكثر ممّا سكنّاها.
أيّها الفلسطيني المتعب، أيّها الفلسطيني المشرّد، لم يعد في القلب متّسعٌ لكلّ هذا القهر، لكنّ القهر لا يأتي منفصلًا، بل يتشابك فينا، ويتكاثر، حتى يصبح جزءًا من يومنا العادي.
لسنا بخير، ولم نكن يومًا كما يظنّ العالم. نحن شعبٌ يُطالَب دائمًا أن يكون أقوى من جراحه، وأهدأ من دمه، وأصمت من حقّه، وكأنّ الصمود واجبٌ أبديٌّ لا ينتهي.
لكنّ الحقيقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها، أنّ هذا البؤس ليس قدرًا، وأنّ هذا الصمت ليس حلًّا، وأنّ التعب الذي نحمله ليس ضعفًا، بل أثرُ حياةٍ تُقاوم أن تُمحى.
وأنت، أيّها الفلسطيني، الذي لم يعد يملك ترف الانكسار، تذكّر دائمًا: ليس بعد هذا البؤس كفر، بل صوتٌ يجب أن يُقال، وحقٌّ لا بدّ أن يُستعاد.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها