العيد، كلمة تحمل في حروفها الكثير من التساؤلات، والكثير من الأمور التي تثير الجدل بين الدعوة إلى الفرح والابتهال، وبين مقابر الموت والمبتوري الأعضاء والأطفال الذين يموتون من شدة البرد.
فهل هناك فرح يمكنه أن يحلّ فجأة في خضم عيدٍ لا معالم له، ولا فرح فيه، ولا نور في آخر نفق الصيام؟
لسنوات طويلة فإن الأمة العربية تعاني العديد من المآسي والوجع والفقد، فكيف حال من يأتي عيده فاقدًا ومفقودًا في آن؟
وأنا، كفلسطينية لاجئة، ما زلت منذ أربعة عقود أتمنى بأن يأتيني عيد أكون فيه على أرض بلادي. فأنا لا أعلم الزينة التي تعلو الشوارع، والأضواء التي تضج بنورها لتأتي رصاصة فتفقدها الضوء فجأة. لا أعلم، قبل البدء بمراسم العيد، صوت المسحراتي الذي يجول في الأزقة مناديًا على الناس، فلا اسمي هناك ولا اسمي هنا، ولا شارع أعرفه، فكيف يُطلب مني أن أُهلّل بكل ما أوتيت من فرح وشريعة الفقد تعلو قلبي؟
إن الفلسطيني، وعلى مدار سبعة عقود — وهذا ظاهرها فقط — فقبل الاحتلال الإسرائيلي كان هناك احتلال بريطاني نهش ما نهش، وقتل ما قتل، ويتّم، وأعدّ العدة لبيع وتقديم فلسطين على طبق من جثث الفلسطينيين وقهرهم وتشردهم ولجوئهم.
منذ ذلك الحين وحتى زماننا هذا سترى بأن الفلسطيني لم تكتمل يومًا فرحته، فلكلٍ قصته التي يرويها بحرقة، وفي كل عيد هناك شهيد ما قبل أو خلال أو مع تكبيرات صباح العيد.
كيف لشعب يريدونه أن يخلع كل عباءات حزنه ويرقص فرحًا وابتهالًا بأي عيد؟
الطامة الأكبر الإبادة الجماعية التي حدثت في غزة هاشم، واللجوء والتشرد من جديد، التي فتكت بالناس وسلبت منهم كل فرحة. حتى أسقف المنازل لن تشهد عيدًا، فليس هناك شيء يشي بالفرح. لم تزل جثث الشهداء تحت الركام، ولم تزل النساء يبحثن عن المفقودين، ولم يزل الرجال يجوبون الشوارع للقمة عيش تسد بها رمق القهر قبل الجوع.
لم يزل الكثير من الأسرى خلف سجون الاحتلال على أرض وطنهم، ولم يزل الكثير من الثكالى لم يزغردن للشهيد المنتظر. إن شعب فلسطين العظيم، والذي يعاني أيضًا التهجير القسري من المخيمات في الضفة الغربية وبشكل تعسفي، يُرمى بالعوائل هنا وهناك دون رادع يفي بغرض الانتصار.
لم تزل القدس منكوبة، وأهلها يعانون القهر، وغيرهم الذين لن يتمكنوا من الوصول إلى المسجد الأقصى حتى لإقامة شعائر صلاة العيد. الفلسطيني اللاجئ لم تزل الحواجز موجودة على مداخل ومخارج مخيماته، ولم يزل محرومًا من أبسط حقوقه، ولم يزل يخاف الموت دون العودة إلى دياره، ولم يزل يخشى أن تكون هناك عودة وتبقى رفاته في الغربة.
إن شعب فلسطين العظيم هو شعب لديه عيد واحد، هو عيد العودة والتحرير. طالما هناك احتلال ينهش أرواح من فيها ومن خارجها، فالعيد سيظل ناقصًا، حتى وإن رأيت جميع مظاهر العيد قائمة. فنحن شعب لا نستسلم ولن نفعل، وإن كانت قلوبنا تعتصر ألمًا وفقدًا وحزنًا.
العيد له طقوسه التي سوف نمارس جميع معالمها عندما نستطيع أن نفرح من خلجات قلوبنا وأرواحنا، دون أن نبكي على فقيدنا. فأنا لا أطلب من الموت أن يتوقف، فهو لم ولن يفعل، لكني أطلب من الله العزيز القدير أن يمنحني وشعبي الفرح بالانتصار والعودة إلى قرانا وبلداتنا، وأن نحيا العيد كما تفعل جميع شعوب الأرض تحت سماء أوطانهم وفي ربوع ديارهم. فسنة الحياة قائمة لا محالة، لكننا شعب الاستثناء بكل شيء، حتى الألم.
الشاعرة نهى عودة
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها