قبل أشهر من الآن، كان أهالي خربة يرزا إلى الشرق من طوباس يتوقعون مستقبلًا صعبًا، بعد الكشف عن المخطط الاستعماري المسمى "الخيط القرمزي"، والذي أوضحت خرائطه الأولية بأنه سيطوِّق مساكن المواطنين في الخربة بشكل كامل ويلتهم امتدادهم الزراعي خلف جدار فاصل، مع بقائهم معزولين في مساحة سكنية ضيقة جدًا.

لكن قبل أيام، تكشّف الأمر عن واقع أفظع بكثير من كل ما تخيله الأهالي، بعد إجبار المستعمرين برفقة قوات الاحتلال الإسرائيلي كافة عائلات الخربة على الرحيل قسرا تحت التهديد والتنكيل، حيث اضطرت العائلات الـ11 إلى تفكيك منشآتها والرحيل نهائيا متجهة إلى مناطق أخرى في طوباس.

ورغم أن الأشهر الأخيرة شهدت المرحلة الأخطر من اعتداءات المستعمرين وقوات الاحتلال على الخربة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تهجير سكانها قسريًا، إلا أنها عانت منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 من مخططات استعمارية كبيرة للاستيلاء عليها، كما مُنع سكانها من البناء والتطوير على مدار عقود، وحوربوا في مصادر رزقهم القائمة على الزراعة وتربية المواشي، فضلًا عن معاناتهم من التدريبات العسكرية لجيش الاحتلال ومخلفاتها.

بينما كان المواطن عمير عنبوسي برفقة عائلته يحط رحاله ومتاعه في منطقة عينون شرقي مدينة طوباس بعد رحيله قسرًا عن يرزا، التقينا به وهو يكابد ظروفًا في غاية السوء من الواقع الجديد الذي فرض عليهم وحرمهم من مساكنهم وأراضيهم بين عشية وضحاها.

يقول عنبوسي الذي ولد ونشأ في يرزا ويقيم فيها أبا عن جد أن المستعمرين برفقة قوات الاحتلال هاجموهم مطلع الأسبوع الحالي، وشرعوا بالاعتداء عليهم بالضرب والتنكيل، وأمهلوهم ثلاثة أيام للرحيل نهائيًا.

أمام هذا الواقع المرير وبعد سلسلة طويلة من الاعتداءات واجهها سكان الخربة على مدار أشهر، وجد الأهالي أنفسهم مضطرين للرحيل بما تيسّر من متاعهم ومقتنياتهم تاركين خلفهم بيوتهم وأراضيهم.

لم تكفِ أيام المهلة الثلاثة أهالي الخربة لنقل كل ممتلكاتهم ومتاعهم، كما لم يسعفهم الوقت لتفكيك كافة ما لديهم من حظائر ماشية وألواح طاقة شمسية، فتركوا جزءا كبيرا منها خلفهم.

يدرك أهالي يرزا الذين لم يستفيقوا بعد من صدمة فقدان المأوى، أنهم لم يتركوا خلفهم فقط بيوتًا ومتاعًا ومحاصيل لم يحن وقت قطافها، بل تركوا عمرًا طويلًا وحياة وذكريات عصية على النسيان. 

عمير، وهو رب أسرة مكونة من سبعة أفراد، كان يقيم في بيت متواضع من الطين والحجر ورثه عن والده وجده، وهذا البيت كغيره من البيوت الصغيرة المنتشرة في يرزا أقيم منذ عقود قبل احتلال المنطقة عام 1967.

يقول: "وأنا ألملم المتاع للرحيل عن المنزل شعرت وكأن والدتي توفيت اليوم، أقامت أمي في هذا المنزل حتى آخر أيامها، هذا ما تذكرته لحظة الرحيل، فراق المنزل يضاهي في قسوته فراق الأهل".

في غضون ذلك، كان الشاب ماجد عنبوسي يجوب المنطقة ذهابًا وإيابًا وهو يساعد عائلة عمه عمير في نصب خيمة لإيوائهم.

يقول ماجد الذي كان منهمكًا بنقل الأقواس والقضبان الحديدية لنصب الخيمة: "يرزا كانت أجمل البلاد.. لا مكان في هذا العالم سيعوضنا عن خسارتها، تلك البيوت الطينية الصغيرة حضنت أجمل ذكريات طفولتنا مع أجدادنا".

شعور الحزن على فراق المأوى والأرض لدى أهالي يرزا المهجّرين قسرًا يزاحمه شعور آخر من الخوف والقلق، فهم يتخوفون من ملاحقتهم وتهجيرهم مجددًا من المكان الجديد الذي أقاموا فيه، وهو أسلوب درج عليه المستعمرون في الآونة الأخيرة مع التجمعات التي يتم تهجيرها من الأغوار الشمالية ومحيط طوباس.

يقول ماجد: "عند تهجيرنا أخبرونا بأن نرحل إلى طوباس، جئنا إلى سهل عينون شرقي طوباس وقمنا بوضع المواشي والمتاع، لكن حتى هنّا لم نعد نأمن من ملاحقتنا مجددًا، حدث ذلك مع كثير من العائلات التي هاجرت من مناطق أخرى في الأغوار، كل هذه البلاد الواسعة ضاقت علينا بسبب اعتداءات المستعمرين".

في أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أعلنت سلطات الاحتلال عن مخطط استعماري جديد باسم "الخيط القرمزي"، ويشمل إقامة طريق عسكرية وجدار فاصل بطول 22 كيلو مترًا على أراضي المواطنين في محافظة طوباس. ووفقًا للمخططات الأولية والإخطارات التي صدرت في حينها سيلتهم المشروع 1042 دونمًا من أراضي المواطنين في محافظة طوباس، كما سيعزل خلفه أضعاف ذلك.

وتعد خربة يرزا واحدة من المناطق المشمولة بالمخطط، فوفقا للخرائط كان من المقرر أن يعزل هذا الجدار الأراضي الزراعية التابعة للخربة خلفه، فيما سيلتف على المساحة السكنية ويحاصرها بشكل كامل، لكن بعد تهجير الأهالي مؤخرًا حتى من المساحة السكنية الضيقة، اتضح لهم أن مخططات الاحتلال في المنطقة تفوق في فظاعتها كل ما يعلن عنه.

تهجير أهالي يرزا يعدّ حلقة في سلسلة تهجير قسري متصاعدة يقودها المستعمرون تحت حماية قوات الاحتلال بشكل ممنهج ومتصاعد منذ أكثر من عامين، وترتكز عمليات التهجير على التجمعات الزراعية والرعوية في مناطق الأغوار والسفوح الشرقية للضفة الغربية.

كما يأتي تهجير خربة يرزا بعد أقل من شهر من تهجير تجمعي البرج والميتة في الأغوار الشمالية، فيما لا زالت تجمعات أخرى قريبة تواجه عنفًا يوميًا من المستعمرين وتخشى أن تلقى المصير ذاته في المستقبل القريب، ومنها خربة سمرة، وخلة مكحول، وتجمع الحمة.

وتشير آخر المعطيات لدى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن 70 تجمعًا سكانيًا تم تهجيرها إما بشكل كلي أو جزئي منذ عامين وحتى الآن بسبب عنف المستعمرين، معظمها في السفوح الشرقية والأغوار، فيما بلغ عدد التجمعات المهجّرة منذ مطلع العام الحالي 12 تجمعًا.